بدرية البشر والخلط

آراء قيل في الحكمة : « لو سكت من لا يعلم لسقط الخلاف » وهذا ينطبق على المذكورة حيث خلطت القضايا في مقالها المنشور في جريدة الرياض بتأريخ: الخميس 20/محرم/1425هـ المعنون بـ (من هو المسؤول) ؛ حيث تحدثت الكاتبة عن بعض القضايا الطبية التي تتطلب فتوى شرعية ثم استخدمت أسلوبًا لا يليق في تضخيم قضيتها.



تقول الكاتبة : « وهل يحتاج مثلا طبيب في غرفة العمليات ويواجه التباسا حرجا أن يكتب معاملة لهيئة كبار العلماء في شأن طبي بالغ التعقيد والحساسية وينتظر سنوات لتبت الهيئة برأيها ».



وتقول : « وقد أثبتت التجارب أننا ننتظر طويلا لنصل لنتيجة واضحة وضوح الشمس، توافق عليها الهيئة بعد أن يكون تأخيرها، قد كبد المجتمع خسائر كان بالإمكان الحد منها، كما في قضيتي نقل وزرع الأعضاء، ثم قضية الفحص ضد أمراض الدم الوراثية قبل الزواج ».



لماذا التضخيم وخلط المقادير؟ فالكاتبة هنا تكتب مقالا إنشائيًا، وإذا كانت تعرف منهج البحث العلمي فهل تستطيع أن تثبت أن الأطباء طلبوا فتوى في قضية طبية ومكثت هيئة كبار العلماء سنوات للرد عليها؟ وأين هذه التجارب؟ ومن قال إن الدولة جعلت هيئة كبار العلماء همها الأول؟!



الدولة تراعي مصالحها فإن وافقتها هيئة كبار العلماء فبها ونعمت وإن لم توافقها لم تنظر إلى فتوى الهيئة كما في قضية التأمين، والربا، وبعض المسلسلات.



والكاتبة منزعجة كثيرًا بسبب طلب الأطباء للفتوى في بعض القضايا الطبية؛ لأنها ( لا تعلم ) ولو ( سكتت لسقط الخلاف ) فالقضايا الطبية مرتبطة بالنفس الإنسانية التي عصمها الإسلام، ولهذا ارتبطت قضايا الطب بالشريعة ارتباطًا وثيقًا، فمثلاً ( برد الأسنان ) قضية طبية لا إشكال فيها من الناحية العلمية؛ لكنها مخالفة من الناحية الشرعية، ويمكن الوصول على الحل عن طريق ( تقويم الأسنان ).



وقضية ( نقل الأعضاء ) من الناحية الطبية ممكنة؛ لكنها من الناحية الشرعية تحتاج إلى فتوى؛ لأنه من القواعد المقررة في الشريعة أن ( ما أبين من حي فهو ميت )، وروح الإنسان ليست ملكا له؛ لهذا كان الانتحار محرمًا، ولأن الكاتبة لا تعرف هذه القاعدة فمن الطبعي أن تستنكر طلب الفتوى في مثل هذه القضايا.



ومثلها قضية الحكم على نفس بالموت فإن الكاتبة تظنها قضية طبية بحتة لا يحق للشريعة أن تتدخل فيها، ولو ( علمت ) الكاتبة أن الدماء من أعظم الحرمات ( لسقط الخلاف ) ، ولو تأملت قوله تعالى { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ } [المائدة:32] لعلمت خطر الإقدام على إزهاق نفس مخلوقة، فالطبيب يمكنه القضاء على النفس البشرية بعدة طرق علمية؛ لكن هناك ضوابط فالنفوس ليست عملا الخطأ والصواب فيها أمر معتاد، هذه النفوس التي خلقها الله –عز وجل- لا يقضى عليها إلا بحكم شرعي.



وقول الكاتبة : « يجب أن تحسمها جهة طبية كما يجب أن تحسم القضايا التربوية جهة تربوية، وكذلك مع التعليمية والاقتصادية إنما خلط الأوراق، وإحالة المسؤولية في كل صغيرة وكبيرة إلى آخرين يتخذون القرار عنهم في شأن ليس من تخصصهم إنما هو هروب من المسؤوليات».



هذا الكلام ليس على إطلاقه؛ لأن الإسلام دين شامل في هذه الجوانب؛ لأن هذه القضايا يختلف تقديرها من بلد إلى آخر انطلاقًا من الثقافة التي تحتضن البلد؛ ولهذا كان لا بد من معيار يحدد فيها ما يمكن قبوله وما يمكن رفضه.



فمثلا قضية زراعة البييضة في رحم امرأة أخرى ممكن طبيًا، وتسمح به دول كثيرة؛ لكنها مرفوضة شرعًا.



وقضية الربا في الجانب الاقتصادي تسمح به الدول؛ لكنه من منظور شرعي محرم.



فالخلط أيتها الكاتبة جاء من قبلك؛ لأنك لا تفرقين بين القضايا التي تحتاج إلى نص شرعي وبين المباحات التي يسار فيها على الأصل؛ وهي الإباحة إلى أن يأتي دليل على تحريمها.



ثم إن هيئة كبار العلماء لا تصدر الفتوى في كل صغيرة وكبيرة في قضايا الطب؛ إنما تصدر الفتوى في القضايا التي لها مساس بالشريعة، والقارئ للكاتبة يظن أن أهل العلم يلغون الأطباء ويتحدثون نيابة عنهم، ولو أنها تزودت بالعلم الشرعي لتبين لها أن أهل العلم في القضايا الطبية يشترطون نظر طبيب مسلم يوثق به كما في قضية استئصال الرحم، وفي الإجهاض حيث نص قرار هيئة كبار العلماء رقم 140 المؤرخ في 20/6/1407هـ في المادة الثالثة :



(3.لا يجوز إسقاط الحمل إذا كان علقة أو مضغة حتى تقرر لجنة طبية موثوقة أن استمراره خطر على سلامة أمه بأن يخشى عليها الهلاك من استمراره جاز إسقاطه بعد استنفاد كافة الوسائل لتلافي تلك الأخطار.



4.بعد الطور الثالث وبعد إكمال أربعة اشهر للحمل لايحل إسقاطه حتى يقرر جمع من الأطباء المتخصصين الموثقين ان بقاء الجنين في بطن أمه يسبب موتها وذلك بعد استنفاذ كافة الوسائل لإنقاذ حياته...

)



ينظر موقع ( www.muslimdoctor.org/article.php?sid=31 )



وكون الأطباء يطلبون الفتوى الشرعية في بعض القضايا التي تختص بالموت والحياة فإن هذا دليل على أنهم يريدون إخلاء مسؤوليتهم أمام الله –عز وجل- وألا يقتلوا نفسًا أو يفعلوا شيئًا يكون وبالا عليهم يوم القيامة. وهذا منهج طيب يدل على تدين كثير من الأطباء الذي يراقبون الله –جلا وعلا- في أعمالهم.



وليطمئن قلب الكاتبة فإن الدولة لو رأت إنهاء حياة توأمين فإنها ستعطي الضوء الأخضر للمستشفيات ولو خالفتها هيئة كبار العلماء.

فلماذا الغليان على هيئة كبار العلماء، وهي هيئة قراراتها ليست ملزمة للدول، بل المتدين –فقط- من الشعب هو الذي يأخذ دينه عنهم. | عدد القراء : 3626 | تأريخ النشر : الخميس 19 محرم 1425هـ الموافق 11 مارس 2004مسيحية
طبعت هذه المقالة من ( أوابد :: مدونة عبد الرحمن بن ناصر السعيد )
على الرابط التالي
http://www.awbd.net/article.php?a=10
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع