قصة مثل

لا رأي لمقبوض

آراءحكى محمد بن سلام الجمحي في كتابه «طبقات الشعراء» أن سراقة البارقي كان شاعرًا ظريفًا تحبه الملوك، حلو الحديث، وكان قَاتَل المختارَ، فأخذه أسيرًا، فأمر بقتله، فقال سراقة: والله لا تقتلني حتى تنقض دمشق حجرًا حجرًا!



فقال المختار لأبي عمرة: من يخرج أسرارنا؟ ثم قال: مَن أسرك؟



قال: قوم على خيل بلق عليهم ثياب بيض، لا أراهم في عسكرك!



قال: فأقبل المختار على أصحابه، فقال: عدوكم يرى من هذا ما لا ترون!



قال: إني قاتلك!



قال: والله يا أمين آل محمد، إنك تعلم أن هذا ليس باليوم الذي تقتلني فيه!



قال: ففي أي يوم أقتلك؟



قال: يوم تضع كرسيك على باب مدينة دمشق، فتدعو بي يومئذ، فتضرب عنقي.



فقال المختار لأصحابه: يا شرطة الله! من يرفع حديثي؟! ثم خلى عنه.



فقال سراقة - وكان المختار يكنى أبا إسحاق -:





ألا أبلغ أبا إسحاق عني = رأيت البلق دهمًا مصمتات

أُرِي عيني ما لم تبصراه = كلانا عالم بالترهات

كفرت بوحيكم وجعلت نذرًا = على قتالكم حتى الممات





أتذكر هذه الحكاية كلما رأيت تحليلًا في وسائل الإعلام عن البرامج التي تبث بشأن المطلوبين أمنيًا وأصحاب الفكر الضال ومن تورطوا في أعمال العنف، ثم تبنى الأحكام على هذه الاعترافات التي أرى أنها على حد قول سراقة «كلانا عالم بالترهات».



إن الرجوع عن الخطأ فضيلة، وإعلان الرجوع شجاعة تصعب على كثير ممن اشتهر شريطة أن يكون هذا الرجوع نابعًا من الشخص نفسه دون عوامل ضاغطة ومصالح توجه هذا الرجوع؛ فرجوع الشخص عن رأي وهو يتمتع بحريته يقنع الآخرين بصدق رجوعه، أما رجوعه عن رأي وهو مسجون أو تحت ضغط خارجي فإن وراء الأكمة ما وراءها؛ فقد يكون رجوعه حقيقيًا بعد طول تأمل، وقد يكون رجوعه أملًا في تخفيف عقوبة أو خروجًا من حبسه أو طمعًا فيما هو أبعد من ذلك.



وقد قالت العرب في أمثالها «لا رأي لحاقن» و «لا رأي لمكذوب»، وأُكْمِلُ ما قالته العرب بـ«لا رأي لمقبوض».



في الغرب تحصل صفقات قضائية بين المدعي العام وبين المتهمين للاعتراف بالتهمة لقاء تخفيف العقوبة، وبعضهم –ممن اقترب أجله- يعترف بذنب لم يقترفه كي ينقذ قريبًا له من الحكم، وهكذا دواليك، وما حال هؤلاء المطلوبين ببعيد؛ لأن العاقل منهم يعي ما اقترفه ويعلم أن ظهوره واعترافه سيخفف عنه العقوبة فلهذا يقر بما يقر، وهذا ما يجعل الاقتناع بكلامهم صعبًا.



وإني لأتعجب من «لجنة المناصحة» وإعلانها المستمر عن نجاح حملتها ورجوع كثير من المطلوبين عن آرائهم المنحرفة، ومما يزيد العجب أن فضلاء من أهل العلم أعضاء في مثل هذه اللجنة؛ فأين رجوع هؤلاء عن آرائهم قبل القبض عليهم؟ وكيف تقتنع برجوع مقبوض وهو تحت وطأة السجن؟!



فكلهم يرددون الجملة المشتهرة «مغرر به»، ولو نوقشوا قبل القبض عليهم لما سمعت هذه الجملة؛ لكنها مطية سَهْلٌ ركوبها؛ وهذا ما يجعل بعض الناس لا يقتنع بصدق ما يبث؛ لأن وضعهم يمنع من تصديقهم، وما لان مَن لان إلا بعد أن أصبح ضعيفًا، ولهذا يمكن قبول رجوع من رجع قبل القبض عليه، ومَن سلَّم نفسه طائعًا خصوصًا من كان خارج الوطن؛ والشريعة الإسلامية تفرق بينهما، قال تعالى :{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }[المائدة:34].



أخشى أن يتخذ بعضهم هذه الاعترافات وسيلة للحصول على عفو، ثم إذا خرج نفذ مخططًا جديدًا وهو يترنح بقوله «كلانا عالم بالترهات».

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 4175 | تأريخ النشر : الخميس 4 رمضان 1429هـ الموافق 4 سبتمبر 2008م

_PDF_FORلا رأي لمقبوضاضغط على الصورة للحصول على المقال بصيغة PDF

طباعة المقال

إرسال المقالة
لا رأي لمقبوض حكى محمد بن سلام الجمحي في كتابه «طبقات الشعراء» أن سراقة البارقي كان شاعرا ظريفا تحبه الملوك، حلو الحديث، وكان قاتل المختار، فأخذه أسيرا، فأمر بقتله، فقال سراقة: والله لا تقتلني حتى تنقض دمشق حجرا حجرا! فقال المختار لأبي عمرة: من يخرج أسرارنا؟ ثم قال: من أسرك؟ قال: قوم على خيل بلق عليهم ثياب بيض، لا أراهم في عسكرك! قال: فأقبل المختار على أصحابه، فقال: عدوكم يرى من هذا ما لا ترون! قال: إني قاتلك! قال: والله يا أمين آل محمد، إنك تعلم أن هذا ليس باليوم الذي تقتلني فيه! قال: ففي أي يوم أقتلك؟ قال: يوم تضع كرسيك على باب مدينة دمشق، فتدعو بي يومئذ، فتضرب عنقي. فقال المختار لأصحابه: يا شرطة الله! من يرفع حديثي؟! ثم خلى عنه. فقال سراقة - وكان المختار يكنى أبا إسحاق -: ألا أبلغ أبا إسحاق عني = رأيت البلق دهما مصمتات أري عيني ما لم تبصراه = كلانا عالم بالترهات كفرت بوحيكم وجعلت نذرا = على قتالكم حتى الممات doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="1,red" star="***,green" style="display:none"',1) أتذكر هذه الحكاية كلما رأيت تحليلا في وسائل الإعلام عن البرامج التي تبث بشأن المطلوبين أمنيا وأصحاب الفكر الضال ومن تورطوا في أعمال العنف، ثم تبنى الأحكام على هذه الاعترافات التي أرى أنها على حد قول سراقة «كلانا عالم بالترهات». إن الرجوع عن الخطأ فضيلة، وإعلان الرجوع شجاعة تصعب على كثير ممن اشتهر شريطة أن يكون هذا الرجوع نابعا من الشخص نفسه دون عوامل ضاغطة ومصالح توجه هذا الرجوع؛ فرجوع الشخص عن رأي وهو يتمتع بحريته يقنع الآخرين بصدق رجوعه، أما رجوعه عن رأي وهو مسجون أو تحت ضغط خارجي فإن وراء الأكمة ما وراءها؛ فقد يكون رجوعه حقيقيا بعد طول تأمل، وقد يكون رجوعه أملا في تخفيف عقوبة أو خروجا من حبسه أو طمعا فيما هو أبعد من ذلك. وقد قالت العرب في أمثالها «لا رأي لحاقن» و «لا رأي لمكذوب»، وأكمل ما قالته العرب بـ«لا رأي لمقبوض». في الغرب تحصل صفقات قضائية بين المدعي العام وبين المتهمين للاعتراف بالتهمة لقاء تخفيف العقوبة، وبعضهم –ممن اقترب أجله- يعترف بذنب لم يقترفه كي ينقذ قريبا له من الحكم، وهكذا دواليك، وما حال هؤلاء المطلوبين ببعيد؛ لأن العاقل منهم يعي ما اقترفه ويعلم أن ظهوره واعترافه سيخفف عنه العقوبة فلهذا يقر بما يقر، وهذا ما يجعل الاقتناع بكلامهم صعبا. وإني لأتعجب من «لجنة المناصحة» وإعلانها المستمر عن نجاح حملتها ورجوع كثير من المطلوبين عن آرائهم المنحرفة، ومما يزيد العجب أن فضلاء من أهل العلم أعضاء في مثل هذه اللجنة؛ فأين رجوع هؤلاء عن آرائهم قبل القبض عليهم؟ وكيف تقتنع برجوع مقبوض وهو تحت وطأة السجن؟! فكلهم يرددون الجملة المشتهرة «مغرر به»، ولو نوقشوا قبل القبض عليهم لما سمعت هذه الجملة؛ لكنها مطية سهل ركوبها؛ وهذا ما يجعل بعض الناس لا يقتنع بصدق ما يبث؛ لأن وضعهم يمنع من تصديقهم، وما لان من لان إلا بعد أن أصبح ضعيفا، ولهذا يمكن قبول رجوع من رجع قبل القبض عليه، ومن سلم نفسه طائعا خصوصا من كان خارج الوطن؛ والشريعة الإسلامية تفرق بينهما، قال تعالى :{إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم فاعلموا أن الله غفور رحيم }[المائدة:34]. أخشى أن يتخذ بعضهم هذه الاعترافات وسيلة للحصول على عفو، ثم إذا خرج نفذ مخططا جديدا وهو يترنح بقوله «كلانا عالم بالترهات».
(1) - عنوان التعليق : عسى أن يريد الله بهم خيرا

تأريخ النشر: الجمعة 22 ربيع الأول 1432هـ الموافق 25 فبراير 2011مسيحية

نص التعليق
في مسند الإمام أحمد: حدثنا ‏ ‏ابن أبي عدي ‏ ‏عن ‏ ‏حميد ‏ ‏عن ‏ ‏أنس: ‏أن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قال لرجل أسلم قال أجدني كارها قال: ‏ ‏أسلم وإن كنت كارها ‏

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع