قصة مثل
المقالة المردود عليها

السخرية في التاريخ العربي

عبدالله بن بجاد العتيبي

جريدة الرياض

الاثنين 16 رمضان 1427هـ - 9 أكتوبر 2006م - العدد 13986

نص المقالة في كتابه أخبار الحمقى والمغفلين يذكر ابن الجوزي خمسة عشر فصلا في ذكر أصناف المغفّلين، جعل أكثر من نصفها "تسعة فصول" في نقد شرائح المتدينين وذكر غرائب حماقاتهم، ولم يكتب أو يفتي أحد حتى يوم الناس هذا أن ابن الجوزي كفر وارتد عن الإسلام لأنه انتقد مثل هذه الشرائح المتديّنة

(إرهاب أكاديمي) سخرية بالدين، و"دعاة على أبواب جهنم" نقد للإسلام، ونقد الدين والسخرية به كفرٌ مخرج من الملّة! والمتدينون لا يجوز نقدهم لأن نقدهم والسخرية بهم نقد للدين وسخرية بالثوابت!

هذا ملخّص لما قرأته وسمعته من نقد موجّه للأعمال التي تطرقت لشريحة المتدينين ناقدة مرة بأسلوب ساخر وأخرى بأسلوب جاد، والتي تمّ عرضها هذا العام في الفضائيات العربية عبر الدراما التلفزيونية، وأحسب أنني بحاجة قبل مناقشة هذا الكلام إلى إطلالة سريعة على الأدب الساخر كمفهوم عام ومن ثم التطرق للأدب الساخر في تاريخنا العربي والإسلامي وهل تناول شريحة المتدينين بالسخرية أم كان يعتبرها شريحة مقدسة تتماهى مع الله والدين؟

الأدب الساخر تراث بشري تناقلته الأمم وتوارثته الأجيال وأنس به البشر طوال عمارتهم للأرض، فلا يكاد الباحث يجد أمة لم يكن لها تاريخ في الأدب الساخر وشخصيات ورسومات وأشعار وأخبار، ذلك أن النفس البشرية في تركيبتها تسعى إلى البهجة وتبحث عن السعادة والترويح والأدب الساخر بكافة أشكاله وتجلياته يمنحها من السعادة الشيء الكثير ومن البهجة ما يشرح خاطرا ويزيل هما.

ويعيد بعض الباحثين جذور السخرية الأصلية إلى قدماء المصريين الذين سجلوا تلك السخرية في رسوماتهم وكلماتهم التي حفروها على جدران معابدهم، فيما يقارب فنّ الكاريكاتير المعاصر، كما ذكر شوقي ضيف في كتابه "فكاهة مصر"، وأضاف أن السخرية أرقى أنواع الفكاهة لما تحتاجه من ذكاء وخفة ومهارة وخفاء ومكر.

والأدب الساخر له أساليب وصيغ ومقومات ودعائم لا تصل رسالته بدونها، ولا يكتمل بناؤه في غيابها، كما أن له تمظهرات في الحياة الإنسانية منها النكتة المحكيّة نثراً أو شعراً، ومنها الرسوم الثابتة "الكاريكاتير"، ومنها القصة والرواية، ومنها المسلسلات والأفلام في العصر الحديث، وغير ذلك كثير.

الأدب الساخر يحمل في العادة رسالة أقوى من الكلمات الجادّة ويصل لغايته بطريقة أسهل وأيسر، ويتناقله الناس بناء على إعجابهم بجماله وذكائه ومهارته وخفته، فهو مركب بالغ التأثير في إيصال الأفكار وتوجيه المجتمعات.

في التاريخ العربي تراثٌ مثير من الأدب الساخر يمتد من عصر الجاهلية حتى يومنا هذا مرورا بالعصر النبوي فالراشدي فالأموي فالعباسي، تناقلته الكتب بشتى تصنيفاتها، وكتب فيه جماعات من العلماء، منهم الأدباء والفقهاء والمحدثون وأهل الكلام والفلاسفة.

كان الأدب الساخر في تراثنا العربي والإسلامي يتناول كافة شرائح المجتمع، لا يفرّق بين متديّن وغيره، ولا بين حاكم ومحكوم، ولا بين فقيه ومحدث، ولا بين شاعر وناثر، الكل كان يخضع للسخرية والنقد من قبل أقرانه أو خصومه، ولم يذكر عن أحد منهم استنكار ذلك أو التشنيع على كاتبه أو قائله، فضلا عن الهوس المعاصر بتفسيقه أو تكفيره!

كانت في المجتمع المسلم شرائح متعددة تشملها تسمية "الشرائح المتديّنة" من مثل القرّاء (أي قرّاء القرآن) والفقهاء والمحدثين والقضاة ومعلّمي الصبيان والأئمة والمؤذنين والمتزهدين والعبّاد وغيرهم، ولم يكن أحد في المجتمع حينذاك يجد حرجا شرعيا من تناول هذه الشرائح بالنقد الجاد أو النقد الساخر، بل كانوا مثلهم مثل غيرهم من شرائح المجتمع يخضعون لمبضع النقد جاده وساخره، بل كان بعض من يتناولهم بالنقد والسخرية علماء كبار وفقهاء معتبرين وأئمة من أئمة الدين.

كان الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن الجوزي المتوفى سنة 597للهجرة أحد أفراد العلماء الكبار الذين يشار إليهم بالبنان في وقتهم وفيما تلاه من القرون، وهو من فقهاء الحنابلة المعتبرين ومن العلماء المتفننين ومن أكثر العلماء تصنيفا للكتب، كتب هذا العالم وحده عددا من المصنّفات في نقد شرائح المتدينين ونقد بعض مظاهر الحمق والغلو والانحراف لديهم قياما منه بأمانة العلم وتعديل الاعوجاج في المجتمع، فكتب كتاب "أخبار الحمقى والمغفلين" وكتب كتاب "تلبيس إبليس" وغيرهما من الكتب، كما كتب غيره من العلماء على ذات المنوال منهم الإمام الذهبي أحد كبار علماء الشافعية في وقته، وقبلهم وبعدهم كثيرون منهم الجاحظ عالم المعتزلة وياقوت الحموي والتنوخي وغيرهم.

في كتابه أخبار الحمقى والمغفلين يذكر ابن الجوزي خمسة عشر فصلا في ذكر أصناف المغفّلين، جعل أكثر من نصفها "تسعة فصول" في نقد شرائح المتدينين وذكر غرائب حماقاتهم، ولم يكتب أو يفتي أحد حتى يوم الناس هذا أن ابن الجوزي كفر وارتد عن الإسلام لأنه انتقد مثل هذه الشرائح المتديّنة.

كما كتب الإمام الذهبي في كتابه "زغل العلم" تشريحاً طويلا لكافة شرائح المتدينين في زمنه وقال في أول الكتاب: "اعلم أن في كل طائفة من علماء هذه الأمة ما يذمّ ويعاب فتجنّبه"، ثم استرسل في ذكر نقداته على كل شريحة على حدة، فتحدث عن علماء المالكية والحنفية والحنابلة والشافعية، كما تحدث عن المفسرين وعلماء الفرائض والمناطقة وغيرهم.

ابن الجوزي في مقدمة كتابه ينقل عن عدد من الصحابة والتابعين مبررات تقديمه لكتاب في الفكاهة والسخرية والترويح فينقل عن علي بن أبي طالب أنه قال : "روحوا القلوب واطلبوا لها طرف الحكمة فإنها تمل كما تمل الأبدان"، وعن أبي الدرداء أنه قال: "إني لأستجم نفسي ببعض الباطل كراهية أن أحمل عليها من الحق ما يكلها"، وعن حماد بن سلمة أنه كان يقول : "لا يحب المُلح إلا ذكران الرجال ولا يكرهها إلا مؤنثهم"، ثم شرع ابن الجوزي في ذكر فكاهات وحماقات عن المتدينين بشرائحهم السابقة، بعضها يتعلق بقراءتهم للقرآن وبعضها بروايتهم للحديث وبعضها في مسائل الفقه، وبعضها في إمامة الصلاة وفي الأذان وغيرها كثير، وهي فكاهات ساخرة لو سمع بها بعض متنطعي المتدينين في يومنا هذا لأصدروا الفتاوى في تكفير ابن الجوزي رحمه الله!

وقبل ابن الجوزي كان جمعٌ من كبار المحدثين والعلماء مشهورين بخفة الدم وإلقاء النكت الساخرة من تلاميذهم ومعاصريهم من المتدينين، من أمثال الأعمش وشعبة بن الحجاج وصالح جزرة ويزيد بن هارون وغيرهم.

وفي زوايا التاريخ والتراث وكلام أهل العلم بقايا من هذه الأحاديث التي تتبع سبيل السخرية في نقد المتدينين دون أن تجد حرجا شرعيا يمنعها من ذلك، ولولا خشية الإطالة لأوردت العشرات بل المئات من الأمثلة التي تقشعرّ لها أبدان الغلاة والمتشددين اليوم، الذين يفهمون الدين فهماً غير ما فهمه أهل العلم، ثم يعتقدون أن فهمم هذا هو الدين نفسه، فمن تعرّض لهم بالنقد أو السخرية اتهموه بأنه ناقد للدين ساخر بالإسلام، وكم أتمنى أن ينبري أحد الباحثين المعاصرين لتأليف كتاب حول أخبار الحمقى والمغفلين المعاصرين ويتناول في جزء منه حماقات المتدينين المعاصرين إذاً لخرج بجزء نفيس يكمل مسيرة ابن الجوزي والذهبي وغيرهما من كبار العلماء في تراثنا.

ابن بجاد، فضلا عِ الفرق

آراءحكى العسكري في كتاب «التصحيف» أنه قيل لبعضهم: ما فعل أبوك بحمارِه؟



فقال: باعِهِ (بكسر العين والهاء).



فقال له: لم قلت «باعِهِ»؟



قال: فَلِمَ قلتَ أنت «بحمارِه»؟!



فقال: أنا جررته بالباء!



فقال: فلم تجر باؤك وبائي لا تجر؟!



القياس الفاسد يوقع المرء في نتيجة فاسدة، ولأهل العلوم أمثلة يذكرون فيها الأقيسة الفاسدة كما يذكر أهل الأصول «قياس خمر على لبن».



ومن القياس الفاسد ما كتبه الأستاذ/عبد الله بن بجاد العتيبي في جريدة الرياض بعنوان «السخرية في التاريخ العربي» دفاعًا عن أعماله المعروضة؛ وسبب مقاله «(إرهاب أكاديمي) سخرية بالدين، و"دعاة على أبواب جهنم" نقد للإسلام، ونقد الدين والسخرية به كفرٌ مخرج من الملّة! والمتدينون لا يجوز نقدهم لأن نقدهم والسخرية بهم نقد للدين وسخرية بالثوابت! هذا ملخّص لما قرأته وسمعته من نقد موجّه للأعمال التي تطرقت لشريحة المتدينين ناقدة مرة بأسلوب ساخر وأخرى بأسلوب جاد».



ثم احتج لسخريته بالتراث وبكتاب ابن الجوزي وغيره.



هناك ملخص آخر لم يشر إليه؛ فقد انتقد طريقة تناوله الاستفزازية أكثرُ من كاتب في صحف سعودية مختلفة، لا يوصف أحد منهم بأنه من إنتاج «الصحوة» كي لا يكون لديه تحسس نحو طرحهم، فأحدهم عضو مجلس الشورى، وثانيهم إعلامي، وثالثهم أكاديمي.



وكذا مالك القناة الفضائية التي عرضت المسلسل الذي تولى فيه الإعداد الديني أقر بأن مسلسل «الحور العين» فاشل، ومالك القناة -لا محالة- ليس «صحويًا».



لكن الأستاذ لم يشر إلى هذه الانتقادات غير الصحوية، ووقع في القياس الفاسد؛ فابن الجوزي لم يسخر من المتدينين، بل «نقل» حوادث حقيقية دون أن يسخر بتوابعها؛ فهو يذكر قصصًا عن القرّاء والمحدثين والقضاة وغيرهم حقيقة دون الاستهزاء بما يشتركون فيه مع غيرهم.



فالفرق أن ابن الجوزي لم يكن استفزازيًا كطريقة الأستاذ، ولم يكن يسخر من مظاهر التدين وشعارته كما سخر.



إن الأمر الذي خفي على الأستاذ أن هؤلاء المعتدين –الذين يسخر بهم- يتلبسون بمظاهر صحيحة ويؤمنون بما يؤمن به المسلمون ظاهرًا؛ لكنهم أخطؤوا في الفهم فوقعوا فيما وقعوا فيه – جنبنا الله الفتن ما ظهر منها وما بطن- فمظاهر التدين والاستشهاد بالآيات والأحاديث والعبارات الإسلامية أمر يشترك فيه معهم المتدينون؛ فلما تناول بالسخرية مظاهر التدين والاستشهاد بالآيات والعبارات الإسلامية شملت السخرية الجميع؛ فكانت سخريته غير مفرقة بين ما يخصهم وبين ما يشتركون فيه مع غيرهم من المتدينين.



http://www.awbd.net/images/bjad1.gif



كان على الأستاذ أن يتنبه إلى هذه المسائل المشتركة كي يعزل ما يخص المعتدين إن كان مصرًا على الاستفزاز.



والأستاذ يحتج بنقد المتدينين في التراث؛ لكنه لا يفرق بين «النقد» القائم على السخرية بشعائر المتدينين الذي يتبناه وبين «النقل» القائم على ذكر حقائق عن أفراد دون التعرض للأمور التعبدية، وكما يعلم الأستاذ فإن هناك فرقًا بين «النقد» و«النقل».



ثم إن السخرية قد تؤدي إلى ما هو أعظم؛ فليس من الحكمة السخرية من أصحاب السلطة في العالم العربي لأن النتيجة معلومة، ولهذا لا نجد للأستاذ سخرية بهم لأنه يخشى على نفسه بوائق سخريته؛ ولو وسع خشيته هذه كي تشمل مجتمعه الذي يعيش فيه لعلم أن من الحكمة عدم تناول «الإرهاب» بطريقة استفزازية خشية على المتجتمع من بوائق السخرية؛ لكن الأستاذ قدم خشيته على خشية مجتمعه.



لقد جمع الأستاذ عبد الله بين القياس الفاسد وبين ضعف المعالجة؛ لأن هناك قضايا من الخطأ معالجتها بالاستفزاز –أو السخرية كما يصفها-؛ فالسخرية من الحكام ومن المتنفذين ومن السلوكيات الخاطئة في المجتمع لا تمس قضية دينية تعبدية، ولهذا تقبل على نطاق شعبي عدا المنتقَدِين، وأما السخرية من المتدينين أو من يتلبس بلباس المتدينين فإنها تمس قضايا تعبدية ولهذا يختلف أسلوب المعالجة عن الحالة الأولى، وهذا ما جعل الأستاذ يرى الأمر متحدًا بين نقد المتدينين وبين نقد بعض ممارست المتدينين الخاطئة.



فمثلا هناك أناس يستغلون مظاهر التدين لأمورهم الخاصة فتظهر عليهم سمات المتدينين؛ فطريقة الأستاذ تتناول هذه المظاهر «اللحية، الثوب، العطر، الشعارات» دون أن تتناول الشخصية التي تتقمص التدين؛ بينما المعالجة الحقيقية هي تحييد هذه المظاهر؛ لأن الخطأ ليس في هذه المظاهر إنما الخطأ في استغلالها؛ فالمعالجة للاستغلال وليس للمظهر.



ومما يلحظ على الأستاذ وغيره ممن يعتنق طريقته أنهم يلجؤون عند انتقادهم إلى أقصى درجات الانتقاد فيبني عليها الرد، وهذا يجعله في منأى عن الانتقادت الموضوعية ولهذا لم يشر إليها مطلقًا، ويحور القراء من الاختلاف معه إلى الوقوف معه.



في التقلبات الفكرية هناك طرفا نقيض (أ-ب) ووسط (ج)، وفي الانقبلات الحادة ينتقل المتقلب من طرفه إلى ضده (أ -> ب | ب-> أ) فيعامل الناس على ما كان عليه سابقًا، فمن كان متشددًا ثم انقلب عامل الناس ومن حوله بعقليته عنهم، ومن كان متحررًا فتشدد كانت عقليته مثل سابقه.



وأما من كان في الوسط فإن التغير عنده وارد نحو أحد الطرفين (ج-> أ | ج -> ب)؛ لكنه لا يصل إلى الحدة –غالبًا- في التفكير كسابقيه



http://www.awbd.net/images/bjad2.gif



والأستاذ انتقل من طرف إلى ضده دون أن يعيش ما بينهما فحاكم المتدينين على طريقته السابقة في التدين.



أيها الأستاذ، السخرية طريقة من طرائق الأدب؛ لكن الاستفزاز من طرائق قلة الأدب، ويُعرف الظلم بأنه وضع الشيء في غير موضعه، ولا أشك عندي أنك قد وضعت الأمور في غير موضعها فظلمت نفسك قبل أن تظلم المتدينين وما يتعبدون الله به.

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

عدد التعليقات : 3 | عدد القراء : 3508 | تأريخ النشر : الثلاثاء 18 رمضان 1427هـ الموافق 10 أكتوبر 2006م

_PDF_FORابن بجاد، فضلا عِ الفرقاضغط على الصورة للحصول على المقال بصيغة PDF

طباعة المقال

إرسال المقالة
ابن بجاد، فضلا ع الفرق حكى العسكري في كتاب «التصحيف» أنه قيل لبعضهم: ما فعل أبوك بحماره؟ فقال: باعه (بكسر العين والهاء). فقال له: لم قلت «باعه»؟ قال: فلم قلت أنت «بحماره»؟! فقال: أنا جررته بالباء! فقال: فلم تجر باؤك وبائي لا تجر؟! القياس الفاسد يوقع المرء في نتيجة فاسدة، ولأهل العلوم أمثلة يذكرون فيها الأقيسة الفاسدة كما يذكر أهل الأصول «قياس خمر على لبن». ومن القياس الفاسد ما كتبه الأستاذ/عبد الله بن بجاد العتيبي في جريدة الرياض بعنوان «السخرية في التاريخ العربي» دفاعا عن أعماله المعروضة؛ وسبب مقاله «(إرهاب أكاديمي) سخرية بالدين، و"دعاة على أبواب جهنم" نقد للإسلام، ونقد الدين والسخرية به كفر مخرج من الملة! والمتدينون لا يجوز نقدهم لأن نقدهم والسخرية بهم نقد للدين وسخرية بالثوابت! هذا ملخص لما قرأته وسمعته من نقد موجه للأعمال التي تطرقت لشريحة المتدينين ناقدة مرة بأسلوب ساخر وأخرى بأسلوب جاد». ثم احتج لسخريته بالتراث وبكتاب ابن الجوزي وغيره. هناك ملخص آخر لم يشر إليه؛ فقد انتقد طريقة تناوله الاستفزازية أكثر من كاتب في صحف سعودية مختلفة، لا يوصف أحد منهم بأنه من إنتاج «الصحوة» كي لا يكون لديه تحسس نحو طرحهم، فأحدهم عضو مجلس الشورى، وثانيهم إعلامي، وثالثهم أكاديمي. وكذا مالك القناة الفضائية التي عرضت المسلسل الذي تولى فيه الإعداد الديني أقر بأن مسلسل «الحور العين» فاشل، ومالك القناة -لا محالة- ليس «صحويا». لكن الأستاذ لم يشر إلى هذه الانتقادات غير الصحوية، ووقع في القياس الفاسد؛ فابن الجوزي لم يسخر من المتدينين، بل «نقل» حوادث حقيقية دون أن يسخر بتوابعها؛ فهو يذكر قصصا عن القراء والمحدثين والقضاة وغيرهم حقيقة دون الاستهزاء بما يشتركون فيه مع غيرهم. فالفرق أن ابن الجوزي لم يكن استفزازيا كطريقة الأستاذ، ولم يكن يسخر من مظاهر التدين وشعارته كما سخر. إن الأمر الذي خفي على الأستاذ أن هؤلاء المعتدين –الذين يسخر بهم- يتلبسون بمظاهر صحيحة ويؤمنون بما يؤمن به المسلمون ظاهرا؛ لكنهم أخطؤوا في الفهم فوقعوا فيما وقعوا فيه – جنبنا الله الفتن ما ظهر منها وما بطن- فمظاهر التدين والاستشهاد بالآيات والأحاديث والعبارات الإسلامية أمر يشترك فيه معهم المتدينون؛ فلما تناول بالسخرية مظاهر التدين والاستشهاد بالآيات والعبارات الإسلامية شملت السخرية الجميع؛ فكانت سخريته غير مفرقة بين ما يخصهم وبين ما يشتركون فيه مع غيرهم من المتدينين. كان على الأستاذ أن يتنبه إلى هذه المسائل المشتركة كي يعزل ما يخص المعتدين إن كان مصرا على الاستفزاز. والأستاذ يحتج بنقد المتدينين في التراث؛ لكنه لا يفرق بين «النقد» القائم على السخرية بشعائر المتدينين الذي يتبناه وبين «النقل» القائم على ذكر حقائق عن أفراد دون التعرض للأمور التعبدية، وكما يعلم الأستاذ فإن هناك فرقا بين «النقد» و«النقل». ثم إن السخرية قد تؤدي إلى ما هو أعظم؛ فليس من الحكمة السخرية من أصحاب السلطة في العالم العربي لأن النتيجة معلومة، ولهذا لا نجد للأستاذ سخرية بهم لأنه يخشى على نفسه بوائق سخريته؛ ولو وسع خشيته هذه كي تشمل مجتمعه الذي يعيش فيه لعلم أن من الحكمة عدم تناول «الإرهاب» بطريقة استفزازية خشية على المتجتمع من بوائق السخرية؛ لكن الأستاذ قدم خشيته على خشية مجتمعه. لقد جمع الأستاذ عبد الله بين القياس الفاسد وبين ضعف المعالجة؛ لأن هناك قضايا من الخطأ معالجتها بالاستفزاز –أو السخرية كما يصفها-؛ فالسخرية من الحكام ومن المتنفذين ومن السلوكيات الخاطئة في المجتمع لا تمس قضية دينية تعبدية، ولهذا تقبل على نطاق شعبي عدا المنتقدين، وأما السخرية من المتدينين أو من يتلبس بلباس المتدينين فإنها تمس قضايا تعبدية ولهذا يختلف أسلوب المعالجة عن الحالة الأولى، وهذا ما جعل الأستاذ يرى الأمر متحدا بين نقد المتدينين وبين نقد بعض ممارست المتدينين الخاطئة. فمثلا هناك أناس يستغلون مظاهر التدين لأمورهم الخاصة فتظهر عليهم سمات المتدينين؛ فطريقة الأستاذ تتناول هذه المظاهر «اللحية، الثوب، العطر، الشعارات» دون أن تتناول الشخصية التي تتقمص التدين؛ بينما المعالجة الحقيقية هي تحييد هذه المظاهر؛ لأن الخطأ ليس في هذه المظاهر إنما الخطأ في استغلالها؛ فالمعالجة للاستغلال وليس للمظهر. ومما يلحظ على الأستاذ وغيره ممن يعتنق طريقته أنهم يلجؤون عند انتقادهم إلى أقصى درجات الانتقاد فيبني عليها الرد، وهذا يجعله في منأى عن الانتقادت الموضوعية ولهذا لم يشر إليها مطلقا، ويحور القراء من الاختلاف معه إلى الوقوف معه. في التقلبات الفكرية هناك طرفا نقيض (أ-ب) ووسط (ج)، وفي الانقبلات الحادة ينتقل المتقلب من طرفه إلى ضده (أ -> ب | ب-> أ) فيعامل الناس على ما كان عليه سابقا، فمن كان متشددا ثم انقلب عامل الناس ومن حوله بعقليته عنهم، ومن كان متحررا فتشدد كانت عقليته مثل سابقه. وأما من كان في الوسط فإن التغير عنده وارد نحو أحد الطرفين (ج-> أ | ج -> ب)؛ لكنه لا يصل إلى الحدة –غالبا- في التفكير كسابقيه والأستاذ انتقل من طرف إلى ضده دون أن يعيش ما بينهما فحاكم المتدينين على طريقته السابقة في التدين. أيها الأستاذ، السخرية طريقة من طرائق الأدب؛ لكن الاستفزاز من طرائق قلة الأدب، ويعرف الظلم بأنه وضع الشيء في غير موضعه، ولا أشك عندي أنك قد وضعت الأمور في غير موضعها فظلمت نفسك قبل أن تظلم المتدينين وما يتعبدون الله به.
(1) - عنوان التعليق : تصحيح علمي

تأريخ النشر: الثلاثاء 18 رمضان 1427هـ الموافق 10 أكتوبر 2006مسيحية

نص التعليق
جزاك الله خير

الصورة الاولى المنطقة المشتركة بين الفريقين ليست دائرة ولكنها هلالية من الجهتين كالعدسة المحدبة

وهي منطقة تراكب او تداخل الدائرتين



طبعا هدا لا يخل إطلاقا بما خطته اصابعك و لكن من باب البحث عن الكمال إن امكن



سلام من الله عليك

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : مداخلة

تأريخ النشر: الأربعاء 6 جمادى الآخرة 1428هـ الموافق 20 يونيو 2007مسيحية

نص التعليق
«أول ما نستفتح المقالا بذكر حمد ربنا تعالى
ثم الصلاة بعد والسلام على نبي دينه الإسلام »
وبعد :
فإن مما يجب وضعه في الحسبان أن عصر ابن الجوزي وغيره من عصور الإسلام الزاهرة ، - والتي ينتظم فيها الأمر ويستقيم المعوج- كان أهل الإسلام كلهم أجمعون متدينون بدين الإسلام في الجملة ، ولم يكن هناك متدين وغير متدين كما يلبس به في زماننا ، وإنما صنفوا حسب ما عرفوا به من تخصصات علمية أو مهنية ، وأدل دليل على ذلك تطبيق حد الردة في دول الإسلام المتلاحقة ، وتحريم السفر إلى بلاد الكفر ، وبناء الثغور في وجوه الغزاة وطرد المحتلين والإجماع والإجتماع على قتالهم ، وتحريم إعانتهم أو بيع السلاح لهم ، كما أن نقد العلماء للأخطاء لصالح الإسلام وأهله ، والنموذج الذي يدعون إليه ليس هو النموذج الذي يريده أصحاب الأفلام والمقالات المذكورة ( الحور وأخواتها ) وهذا هو السر الذي لأجله لم يفت أحد بتكفير إبن الجوزي رحمه الله ، «ومتى علم السبب بطل العجب » .
فهل هولاء القوم يدعون إلى تحكيم الشريعة و إقامة الحدود وحفظ الثغور وإخراج المحتل ! أم لم يجدوا ذلك في التاريخ وكتب التراث !!
« قذى بعينك أم بالعين عوار » ....
لكن الأحمق ربما إلتقط الجمرة يظنها تمرة فتحرقه لكنه لا يرتدع ، وكذلك من يريد الإستشهاد بالحق على الباطل تبطل حجته من حيث لا يدري ، والله أعلم .

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(3) - عنوان التعليق : استشهاد عجيب

تأريخ النشر: الاثنين 28 محرم 1429هـ الموافق 4 فبراير 2008مسيحية

نص التعليق
انتقاد فن هذا الزمان للمتدينين انما يراد به انتقاد الدين والسخرية منه وليس التصحيح

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع