قصة مثل
المقالة المردود عليها

الآخر وأنا.. وعقلانية الحوار

م. عبدالمحسن بن عبدالله الماضي

جريدة الجزيرة

الأاربعاء 24 ,شعبان 1426 هـ في العدد ذي الرقم (12053)

نص المقالة في إطار اللقاءات التحضيرية لجولة (الحوار الوطني الخامس) المزمع عقده في أبها تحت عنوان (نحن والآخر رؤية وطنية مشتركة للتعامل مع الثقافات العالمية) تنطلق اليوم المرحلة الثالثة والأخيرة من اللقاءات التحضيرية في المناطق حيث تبدأ في منطقة حائل، وستمر بخمس مناطق أخرى تنتهي بمنطقة الرياض، وتكون بذلك غطت كل مناطق المملكة.. وقد قاد الشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء الكثير من الجدل في ختام المرحلة الثانية التي عقدت في منطقة الباحة حول ما يتعلق بصحة إطلاق اسم الآخر على الطرف الثاني في الحوار، وضرورة تسميته بالكافر تكريساً لمبدأ عدم تجاهل المسميات الشرعية ورمي من يسمي (الآخر) وليس (الكافر) بالخروج عن تعاليم الدين وحثه على طلب التوبة.

بداية نود أن نتفق على أن الإسلام أقر مبدأ الحوار في قوله تعالى: { ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } ((125) سورة النحل.

فالدعوة هي بداية الحوار ومجادلتهم بالتي هي أحسن هي الضابط الشرعي لمسيرة الحوار، وقد ينتهي الحوار بالاقتناع وقبول الإسلام كدين أو قبول وجهة نظر الشريعة الإسلامية كرأي، وقد ينتهي إلى اختلاف في الرأي، وهنا يصبح الضابط الثاني وهو الاختلاف في الرأي قابلاً للتطبيق بنص القرآن أيضاً: { لَّيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُم }ْ (272 )سورة البقرة. { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ } (56) سورة القصص. فالمهمة التي كلف بها المسلم إذن هي الدعوة، ولها ضابطان:

أولهما الحكمة وثانيهما الموعظة الحسنة، ثم تليهما مهمة مباشرة الحوار أو الجدل، ولها ضابط واحد هو أن يكون بالتي هي أحسن.

أما في السنة النبوية فإن الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- قال في حديث صحيح (اطلبوا العلم ولو في الصين) وبلاد الصين التي أخذت نموذجاً لطلب العلم ديار كفر بمفهوم ذلك الرأي المتشدد، والنبي كما نعلم لا ينطق عن الهوى، فالنبي إذن بكل ما أوتي من وحي وعلم إلهي أدرك مدى أهمية التخاطب مع الآخر وطلب العلم لديه، وطلب العلم يتنافى مع التعالي ورمي الطرف الذي ننهل من علمه بأقبح الصفات وهي الكفر لأنه شأنه شأن كل صاحب عقيدة يرى دينه الحق وما سواه الباطل، فطلب العلم لا يكون إلا باحترام الطرف الآخر وتقديره وإنزاله المنزلة المناسبة، إنه الرسول- صلى الله عليه وسلم- خاطب النجاشي وهرقل وكسرى والمقوقس ودعاهم لدينه بالحكمة والموعظة الحسنة حتى إنه صلاة الله وسلامه عليه مدح النجاشي بأنه ملك لا يظلم عنده أحد، فالرسول-صلى الله عليه وسلم- الذي وصل وده في الحديث وملاطفته للآخر حداً جعل كفار مكة يمنعون رجالهم من محادثته بدعوى أنه يسحر محدثه فيؤمن برسالته.

الآخر في الحوار قد يكون نداً لي فأخاطبه بما يخاطب به الند في حدود الحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، وقد يكون أعلى مني قدراً فأنزله المنزلة المناسبة وأخاطبه بما يليق بقدره، وقد يكون أقل مني فيجدر بي أن أحلم عليه وأن يتسع صدري لسماع قوله ومخاطبته ومجادلته بالتي هي أحسن ولنا في رسول الله أسوة حسنة.

إن الآخر في الحوار القرآني مع إبراهيم كان النمرود حيث قال إبراهيم تعجيزاً للنمرود إن ربي يحيي ويميت فقال النمرود أنا أحيي وأميت, والمقدمة هنا منطقية في حوار متزن قائم على الاحترام ورد النمرود أيضاً منطقي ومقبول لدى عامة الناس فهو يستطيع أن يقتل شخصاً ويبقي شخصاً آخر فيكون بمنطق العامة قد أحيا شخصا وأمات آخر، فما كان من إبراهيم النبي العالم إلا أن انتقل به من المنطقة الرمادية في الحوار إلى منطقة التعجيز فقال له: إن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، وكانت النتيجة أن بهت الذي كفر.

والآخر في الحوار مع موسى كان ملكاً كافراً آخر هو فرعون الذي رباه في قصره، وكان ينتظر منه أن يكون أكثر ولاء من سواه، وكلنا يعلم العدة التي أعدها موسى لفرعون ليقنعه بدين الله بداية بطلبه من الله شد عضده بأخيه هارون، لأنه أفصح لسانا منه، وانتهاء بالمعجزات التي ساقها أمام فرعون فلم يقتنع إلا بالمعجزة الأخيرة، وهي انفلاق البحر ونجاة موسى وقومه وإغراق فرعون وقومه فقال كلمته الأخيرة وخانه اللفظ في أن ينطق اسم الله فقال آمنت بالذي آمنت به بنو إسرائيل.

أما الآخر في حوار موسى مع الخضر فكان بين عالمين جليلين أحدهما عالم ونبي هو موسى عليه السلام والآخر أعلم منه هو الخضر عليه السلام، وكانت بداية الحوار طلباً رقيقاً من التلميذ موسى لأستاذه الخضر { قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا} (66) سورة الكهف.

وكان رد الأستاذ قاسياً قسوة الأب على ابنه، ولكنه ساق التبرير المقبول بعد أن قدم أنه لن يقدر على مصاحبته:{ قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا}.

والآخر في حوار موسى هما ابنتا شعيب عليه السلام حينما سألهما موسى برقة ولطف تليقان بمخاطبة الأنثى عن أمرهما فقالتا بأدب جم ينم عن حسن التربية: { لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } (23) سورة القصص.

ثم يكتمل الحوار عندما جاءته إحداهما تمشي على استحياء قائلة: إن أبي يريد أن يجزيك: { فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا }(25) سورة القصص.

ويستمر الحوار بين شعيب وموسى الذي يقص عليه ما حدث فما يكون من شعيب إلا أن يقول في حنو الأب: {لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. ثم يعرض عليه الزواج من إحدى ابنتيه على أن يخدمه ثماني حجج فإن تفضل أتمها عشراً.

والآخر في قصة يوسف كانت امرأة أعطيت مالا وجمالا ومنصبا تقول له (هيت لك) فيقول لها: { مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ } (23) سورة يوسف.

امرأة وصل بها الفحش حداً تجاوزت به جرأة الرجال فقالت للنسوة في اعتراف صريح: { وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فَاسَتَعْصَمَ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا آمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مِّنَ الصَّاغِرِينَ } (32) سورة يوسف. والآخر أيضاً في قصة يوسف شخصان عاديان لا ندري إن كانا مؤمنين أم كافرين في فتيين دخلا السجن مع يوسف فيقول أحدهما: { قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} ويقول الثاني{ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ }(36) سورة يوسف.

ويطلبان التأويل، والآخر في حوار يوسف في أول السورة هو الأب المؤمن الذي ينصح ابنه: { قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } (5)سورة يوسف.

خلاصة القول: إن الآخر في الحوار الذي حرصنا على سوقه من القرآن والسنة قد يكون ملكا مؤمنا كالنجاشي أو كافراً كالنمرود وفرعون، وقد يكون نبيا عالما أو أكثر علما من نبي آخر كالخضر مع موسى الذي لو صبر عليه موسى لرأى أكثر مما رأى ورأينا، ومثلما يكون الآخر رجلاً نبيا وأبا تقيا مثل يعقوب فقد يكون امرأة ذات مال وسطوة تلهث وراء نزواتها كامرأة العزيز أو امرأة مؤمنة كابنتي شعيب، والآخر قد يكون شخصا لا أعلم له دينا ولا وطنا كالفتيين اللذين دخلا السجن مع يوسف.

كيف إذن نختصر الآخر في شخص الكافر فقط، وكيف يبدأ الحوار بالتعالي على الآخر ووصمه بالكفر قبل أن أبدأ في محاورته، لماذا لا نتذكر مقولة قريش (صبأ محمد) أي كفر لأنها رأت دينها الحق وما سواه باطلا، الآخر هو أنا لأنني أحب أن يخاطبني الناس باحترام وتقدير مثلما أعاملهم باحترام وتقدير، وأن يحترموا ديني ومعتقداتي ولا أرى منهم تسفيها لهذا الدين وتلك المعتقدات، إنني أحب أن أرى من الناس البشاشة والبشر لا التهجم والجفاء فهل نتجهم في وجوه الناس بدعوى أنهم كفار، ونطلب منهم استقبالنا بوجوه طلقة مستبشرة.. تلك إذن قسمة ضيزى.

عبد المحسن الماضي، إذا لم تستح فاصنع ما شئت!

آراءذكر ابن الجوزي في كتاب «الحمقى والمغفلين» : عن أبي عبد الله بن عرفة، أنه قال: اصطحب ناس فكانوا يتذاكرون الآداب والأخبار وسائر العلوم، وكان معهم شاب لا يخوض فيما يخوضون فيه سوى أنه كان يقول: رحم الله أبي ما كان يعدل بالقرآن وعلمه شيئًا، فكانوا يرون أنه أعلم الناس بالقرآن، فسأله بعضهم في أي سورة:



وَفَيْنَا رَسُولُ اللهِ يَتْلُو كِتَابَهُ = كما لاحَ مُبْيَضٌّ مِن الصّبْحِ سَاطِعُ

يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عن فِرَاشِهِ = إذا اسْتَثْقَلَتْ بالكافرينَ المَضَاجِعُ



فقال: سبحان الله من لم يعرف هذا؟! هذا في «حم عسق»!

فقالوا: ما قصر أبوك في أدبك!

فقال لهم: أفكان يتغافل عني كتغافل آبائكم عنكم؟!



* * *



هناك أناس يناقشون قضايا عقدية وشرعية وهم مفلسون في العلم الشرعي، ثم يتصدرون لهذه القضايا ويحتجون بجهلهم كما احتج ذلك الشاب المغفل بأن والده كان يعلمه القرآن وهو لا يفرق بين القرآن والشعر؛ وهذه الفئة كثرت في هذا العصر في بيئتنا؛ ومنهم (عبد المحسن الماضي) الذي نشر مقالاً في جريدة الجزيرة الصادرة يوم الأربعاء 24 شعبان 1426 هـ في العدد ذي الرقم (12053) بعنوان «الآخر وأنا.. وعقلانية الحوار».



فقد أبان الكاتب عن ضحالة معارفه الشرعية والتأريخية، وعدم فهم لما يطرح؛ ويتضح ذلك فيما يلي :



1) لم يفهم الكاتب كلام الشيخ صالح الفوزان، ولهذا حوّر القضية إلى الحديث عن «الحوار» بينما الحديث عن تغيير الأسماء الشرعية من «كافر» إلى «آخر»؛ فيمكنك «الحوار» مع الآخر مع ثبات الاسم الشرعي «الكافر»؛ لكن بعضهم يريد إلغاء اسم «الكافر» وهو اسم شرعي ثابت في الكتاب والسنة، ولذلك ختم الكاتب مقاله بقوله :«كيف إذن نختصر الآخر في شخص الكافر فقط، وكيف يبدأ الحوار بالتعالي على الآخر ووصمه بالكفر قبل أن أبدأ في محاورته».



أيها الكاتب، الشخص يكون «كافرًا» لعدم إيمانه بالله ورسوله –صلى الله عليه وسلم- دون الحاجة إلى حواره؛ لأن عدم الحوار لا يعني انفصال وصف الكفر عنه، فإنْ آمن بعد الحوار صار مسلمًا، وإن لم يؤمن بقي على وصف «الكفر»، قال تعالى {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ }[التوبة:6] فسماه الله «مشركًا» قبل سماعه القرآن. ولهذا لا يسأل في بلد أهله مسلمون عن إسلام أفراده، كما أنه لا يسأل في بلد أهله كفار عن كفر أفراده، وهذا الوصف «الكافر» ليس تعاليًا بل هو وصف شرعي؛ وارجع إلى معجم ألفاظ القرآن الكريم لتعلم كثرة ورود الأصل اللغوي «كفر» في كلام الله –عز وجل- الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ }[فصلت:42].



ولفظ «الآخر» ليست مقصورة على «الكافر» فكل من غايرك فهو «آخر» سواء أكان مسلمًا أم كافرًا يهوديًا أو نصرانيًا أو مشركًا أو ملحدًا؛ ولهذا لا إشكال في طرح «العلاقة مع الآخر»؛ إنما الإشكال في محاولة تغيير وصف «الكافر» -ذلك الاسم الشرعي- على «الآخر» المتصف به؛ فيُستبدَل «الآخر» بـ«الكافر».



فاليهودي «آخر كافر»، والنصراني «آخر كافر»، والمشرك «آخر كافر»، والملحد «آخر كافر». ومن شك في كفر هؤلاء فهو كافر مثلهم؛ قال تعالى {إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ}[آل عمران:19]، وقال تعالى {وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[آل عمران:85]، وقال تعالى {الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }[المائدة:3].



والتعامل مع «الآخر المسلم»، و«الآخر الكافر» يكون وفق النصوص الشرعية، ولهذا لم تكن هناك مشكلة في التعامل مع «الكافر» في التأريخ الإسلامي؛ لأن التعامل مقيد بالنص الشرعي فهناك الكافر المسالم، وهناك الكافر الحربي، وهناك الكافر الذمي ... ولكل نصوص تبين طريقة التعامل معه.



فالكافر المسالم ينطبق عليه قوله تعالى {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}[الممتحنة:8].



والكافر الحربي ينطبق عليه قوله تعالى {إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }[الممتحنة:9].



وقد فصل أهل العلم الموثوق بهم هذه الحالات، وبينوا الطريق الشرعي في التعامل؛ لكن بسبب الاعتداءات الأخيرة في بلادنا – حرسها الله – لجأ كثير ممن يعرفون الكتابة إلى زعزعة الثوابت الشرعية ظنًا منهم أن سبب تلك الاعتداءات يرجع إلى هذه النصوص الشرعية، ومن ظن هذا الظن فهو على خطر عظيم، ولا يترك المسلم المتمسك بدينه ثوابته الشرعية لأجل فئة بغت أو دولة طاغية قتلت المسلمين وشردتهم.



والمتتبع لتأريخنا يعلم أن «الآخر الكافر» عاش في بلادنا، وتعامل معه المسلمون، ولم تكن بيننا وبينه نائرة حتى ظهرت التعقيدات السياسية مما أدى إلى انحراف فئة اعتدت فتبعتهم فئة أخرى انحرفت بمحاولة العبث بالأسماء الشرعية.





* * *





2) الكاتب يقع في الجهل المركب حيث يستشهد بحديث موضوع لا تصح نسبته إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- ثم يصف هذا الحديث الموضوع بأنه «صحيح» ؛ فقال :« أما في السنة النبوية فإن الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- قال في حديث صحيح (اطلبوا العلم ولو في الصين)».

كيف يصف حديثًا موضوعًا بـ«صحيح»؟!



هذا الحديث الذي وصفه الكاتب بـ«صحيح» قال عنه الخلال : «أخبرني المروذي أن أبا عبد الله – يعني الإمام أحمد بن حنبل- ذكر له هذا الحديث، فأنكره إنكارًا شديدًا».( المنتخب من العلل للخلال 130).



وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (1/489) في ترجمة «طريف بن سلمان أبو عاتكة» ذات الرقم (511) : «وهذا الحديث باطل لا أصل له».



وقال ابن الجوزي في الموضوعات (1/216) : «هذا حديث لا يصح عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-».



ألا يعلم الكاتب أنه لا تجوز نسبة الحديث الموضوع إلى النبي –صلى الله عليه وسلم؟! ألا يعلم أنه لا يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف فكيف بالموضوع؟! ألا يعلم أن احتجاجه في غير محله؛ لأن وصف «الكفر» غير مانع من تبادل المنافع الدنيوية والعلوم العامة؟!



إن سألتني لِمَهْ؟ أجبتُ : الجهل يجعله يصف ذلك.





* * *





3) يزيد الكاتب في الجهل حين يجعل من يصف ديار الصين بـ«ديار كفر» بـ«المتشدد» فيقول : «وبلاد الصين التي أخذت نموذجاً لطلب العلم ديار كفر بمفهوم ذلك الرأي المتشدد،».

مهلا يا عبد المحسن، أبلغت قعر الجهل؟! ألا تعلم أن بلاد «الصين» في عهد الرسول –صلى الله عليه وسلم- :«ديار كفر» وحتى في هذا العصر نسبة المسلمين قليلة، وليسوا أهل شوكة ومنعة.



فهل ترى أن بلاد الصين «ديار إسلام» كي تكون «متسامحًا»؟!





* * *





4) الكاتب يبني نتائج على مقدمات باطلة؛ فقد بني نتائجه على الحديث الموضوع، ثم توصل إلى النتائج بناء على تلك المقدمة، وما بُنِيَ على باطل كان باطلا، ولهذا لا حاجة إلى مناقشة ما أورده.





* * *





5) يقول الكاتب : « إنني أحب أن أرى من الناس البشاشة والبشر لا التهجم والجفاء فهل نتجهم في وجوه الناس بدعوى أنهم كفار، ونطلب منهم استقبالنا بوجوه طلقة مستبشرة.. تلك إذن قسمة ضيزى.»



وأقول : لم يطالبك أحد بذلك، بل تتعامل مع الكفار حسب تعاملهم مع المسلمين؛ إنما «القسمة الضيزى» أن يناقش شخص بمثل ضحالتك الشرعية عالمًا معروفًا، ولو كنت من أهل العلم لهان الأمر، ولكن «تعالوا فانظروا بمن ابتلاني».



ما تنتهجه يا عبد المحسن الماضي يسمى «الخوار» وليس «عقلانية الحوار»؛ لأنك لا تملك مقومات الحوار كي يقبل منك ذلك، ولا أدل على هذا من جهلك بالحديث الصحيح، واحتجاجك في الحوار بالحديث الموضوع، وعدم تفريقك في بين أحوال الكافر والطرق الشرعية في التعامل معه.



تأمل قول النبي –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري(كتاب الأدب برقم [6120]) من حديث أبي مسعود البدري :«إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستحْي فاصنع ما شئت».



فأنا أقر بأنك لا تستحي لهذا كتبت مقالاً يدل على جهل مركب.



عوتبتُ في كتابة الرد بهذا الأسلوب؛ لكن صفاقة وجه الكاتب تملي عليك هذا النمط من الرد.





* * *





أخيرا : أنصحك بما نصح به الشيخ، وتحدث في تخصصك : « هؤلاء يعترفون بالتخصصات وعدم دخول المرء فيما ليس هو من تخصصه ـ فكما لا يتدخلون في الطب مثلاً لأنه ليس من تخصصهم فلماذا يتدخلون في أمور الشرع بل وفي أخطر أمور الشرع ـ وهو العقيدة وليس من تخصصهم؟ ما أردت بهذا إلا النصيحة والبيان ».







* * *



www.alwatan.com.sa/daily/2005-06-30/readers.htm





الشيخ الفوزان يعقب على اقتراحات الحوار الوطني على المنادين بتغيير المسميات الشرعية التوبة إلى الله



الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن والاه وبعد.



فقد خلق الله الخلق لعبادته وفطرهم على توحيده وطاعته:" ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر"، " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن" فالله أراد لهم بإرادته الدينية الإيمان والخير وأراد لهم الشيطان ودعاة السوء الكفر والشر. قال تعالى: " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم، والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً".



ولذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وأقام الحجج فمن الناس من قبل الحق ودخل الإيمان طائعاً مختاراً ومن الناس من رفض قبول الحق ودخل في الكفر طائعاً مختاراً.



وقد وضع الله فوارق بين المؤمنين والكفار في الدنيا والآخرة ونهى عن التسوية بين الفريقين وجعل لكل فريق جزاء وأحكاماً في الدنيا والآخرة. ووضع لكل فريق اسماً مميزاً كالمؤمن والكافر والبر والفاجر والمشرك والموحد والفاسق والمنافق والمطيع والعاصي. ونهى عن التسوية بين المتخلفين في هذه الأسماء والسلوكيات فقال سبحانه: " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات" وقال تعالى " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار". يعني لا نجعلهم سواء. لأن ذلك لا يليق بعدل الله. وأمر المؤمنين بالبراءة من الكفار والمشركين ولو كانوا من أقاربهم. قال تعالى" قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين آمنوا معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبداً حتى تؤمنوا بالله وحده" ـ وهذا أصل من أصول الإيمان والدين متقرر في الكتاب والسنة وكتب العقيدة الصحيحة لا يماري فيه مسلم ـ ولكننا في هذه الأيام صرنا نقرأ في بعض الصحف نقلاً عما دار في مؤتمر الحوار الوطني محاولة واقتراحاً من بعض المشاركين ـ نرجو أن تكون تلك المحاولة والاقتراح صادرين عن جهل. وذلك كما نشر في بعض الصحف أن يترك لفظ الكافر ويستبدل بلفظ مسلم وغير مسلم، أو يقال المسلم والآخر. وهل معنى ذلك أن نترك ما ورد في القرآن والسنة وكتب العقيدة الإسلامية من لفظ الكفر والشرك والكفار والمشركين فيكون هذا استدراكاً على الكتاب والسنة فيكون هذا من المحادة لله ولرسوله؟. ومن تغيير الحقائق الشرعية فنكون من الدين حرفوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ثم ما هو الدافع لذلك؟ هل هو إرضاء الكفار، فالكفار لن يرضوا عنا حتى نترك ديننا. قال تعالى" ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" وقال تعالى " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء" ، ثم إنه لا يجوز لنا إرضاء الكفار والتماس مودتهم لنا وهم أعداء لله ولرسوله. قال تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق". وإن كان مراد هؤلاء المنادين بتغيير هذه المسميات الشرعية التلطف مع الكفار وحسن التعامل معهم فهذا لا يكون على حساب تغيير المسميات الشرعية بل يكون ذلك بما شرعه الله نحوهم وذلك بالأمور التالية:



1 ـ دعوتهم إلى الإسلام الذي هو دين الله الذي شرعه للناس كافة ـ قال تعالى" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" فنحن ندعوهم لصالحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة.



2 ـ عقد الصلح معهم إذا طلبوا ذلك قال تعالى" وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم" وكذلك إذا احتاج المسلمون إلى عقد الصلح معهم وكان في ذلك مصلحة للمسلمين. كما صالح النبي صلى الله عليه وسلم الكفار في الحديبية. وبموجب الصلح يتم التمثيل الدبلوماسي بينهم وبين المسلمين.



3 ـ عدم الاعتداء عليهم بغير حق قال تعالى" ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى".



4 ـ الإحسان إلى من أحسن منهم إلى المسلمين فلم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم. قال تعالى" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين".



5 ـ التعامل معهم في المنافع المباحة من تبادل التجارة وتبادل الخبرات النافعة والاستفادة من علومهم الدنيوية والمفيدة لنا في حياتنا.



6ـ الوفاء بالعهود معهم واحترام دماء المعاهدين وأموالهم وحقوقهم ـ لأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. قال تعالى" فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم" وقال تعالى " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق". والنفس التي حرم الله هي نفس المسلم ونفس المعاهد. ومن قتل معاهداً متعمداً فقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم " من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة. وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين سنة" رواه البخاري. ومن قتل معاهداً خطأ فهو كمن قتل مؤمناً خطأ عليه الدية والكفارة. قال تعالى" وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة".



وأخيراً ـ إنني أنصح هؤلاء المنادين بتغيير المسميات الشرعية أن يتوبوا إلى الله وألا يدخلوا في شيء لا يحسنونه وليس هو من اختصاصهم لأنه من القول على الله بغير علم وقد قال تعالى" ولا تقف ما ليس لك به علم" وقال تعالى" قل إنما حرم ربي الفواحش والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" فجعل القول عليه بغير علم فوق الشرك لخطورة ذلك ـ إذا كان هؤلاء يعترفون بالتخصصات وعدم دخول المرء فيما ليس هو من تخصصه ـ فكما لا يتدخلون في الطب مثلاً لأنه ليس من تخصصهم فلماذا يتدخلون في أمور الشرع بل وفي أخطر أمور الشرع ـ وهو العقيدة وليس من تخصصهم؟ ما أردت بهذا إلا النصيحة والبيان . والله ولي التوفيق.



وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.



الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان

عضو هيئة كبار العلماء





====

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

عدد التعليقات : 3 | عدد القراء : 4479 | تأريخ النشر : الأحد 29 شعبان 1426هـ الموافق 2 أكتوبر 2005م

طباعة المقال

إرسال المقالة
عبد المحسن الماضي، إذا لم تستح فاصنع ما شئت! ذكر ابن الجوزي في كتاب «الحمقى والمغفلين» : عن أبي عبد الله بن عرفة، أنه قال: اصطحب ناس فكانوا يتذاكرون الآداب والأخبار وسائر العلوم، وكان معهم شاب لا يخوض فيما يخوضون فيه سوى أنه كان يقول: رحم الله أبي ما كان يعدل بالقرآن وعلمه شيئا، فكانوا يرون أنه أعلم الناس بالقرآن، فسأله بعضهم في أي سورة: وفينا رسول الله يتلو كتابه = كما لاح مبيض من الصبح ساطع يبيت يجافي جنبه عن فراشه = إذا استثقلت بالكافرين المضاجع doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="1,red" star="***,green" style="display:none"',1) فقال: سبحان الله من لم يعرف هذا؟! هذا في «حم عسق»! فقالوا: ما قصر أبوك في أدبك! فقال لهم: أفكان يتغافل عني كتغافل آبائكم عنكم؟! * * * هناك أناس يناقشون قضايا عقدية وشرعية وهم مفلسون في العلم الشرعي، ثم يتصدرون لهذه القضايا ويحتجون بجهلهم كما احتج ذلك الشاب المغفل بأن والده كان يعلمه القرآن وهو لا يفرق بين القرآن والشعر؛ وهذه الفئة كثرت في هذا العصر في بيئتنا؛ ومنهم (عبد المحسن الماضي) الذي نشر مقالا في جريدة الجزيرة الصادرة يوم الأربعاء 24 شعبان 1426 هـ في العدد ذي الرقم (12053) بعنوان «الآخر وأنا.. وعقلانية الحوار». فقد أبان الكاتب عن ضحالة معارفه الشرعية والتأريخية، وعدم فهم لما يطرح؛ ويتضح ذلك فيما يلي : 1) لم يفهم الكاتب كلام الشيخ صالح الفوزان، ولهذا حور القضية إلى الحديث عن «الحوار» بينما الحديث عن تغيير الأسماء الشرعية من «كافر» إلى «آخر»؛ فيمكنك «الحوار» مع الآخر مع ثبات الاسم الشرعي «الكافر»؛ لكن بعضهم يريد إلغاء اسم «الكافر» وهو اسم شرعي ثابت في الكتاب والسنة، ولذلك ختم الكاتب مقاله بقوله :«كيف إذن نختصر الآخر في شخص الكافر فقط، وكيف يبدأ الحوار بالتعالي على الآخر ووصمه بالكفر قبل أن أبدأ في محاورته». أيها الكاتب، الشخص يكون «كافرا» لعدم إيمانه بالله ورسوله –صلى الله عليه وسلم- دون الحاجة إلى حواره؛ لأن عدم الحوار لا يعني انفصال وصف الكفر عنه، فإن آمن بعد الحوار صار مسلما، وإن لم يؤمن بقي على وصف «الكفر»، قال تعالى {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه ذلك بأنهم قوم لا يعلمون }[التوبة:6] فسماه الله «مشركا» قبل سماعه القرآن. ولهذا لا يسأل في بلد أهله مسلمون عن إسلام أفراده، كما أنه لا يسأل في بلد أهله كفار عن كفر أفراده، وهذا الوصف «الكافر» ليس تعاليا بل هو وصف شرعي؛ وارجع إلى معجم ألفاظ القرآن الكريم لتعلم كثرة ورود الأصل اللغوي «كفر» في كلام الله –عز وجل- الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد }[فصلت:42]. ولفظ «الآخر» ليست مقصورة على «الكافر» فكل من غايرك فهو «آخر» سواء أكان مسلما أم كافرا يهوديا أو نصرانيا أو مشركا أو ملحدا؛ ولهذا لا إشكال في طرح «العلاقة مع الآخر»؛ إنما الإشكال في محاولة تغيير وصف «الكافر» -ذلك الاسم الشرعي- على «الآخر» المتصف به؛ فيستبدل «الآخر» بـ«الكافر». فاليهودي «آخر كافر»، والنصراني «آخر كافر»، والمشرك «آخر كافر»، والملحد «آخر كافر». ومن شك في كفر هؤلاء فهو كافر مثلهم؛ قال تعالى {إن الدين عند الله الإسلام وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب}[آل عمران:19]، وقال تعالى {ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}[آل عمران:85]، وقال تعالى {اليوم يئس الذين كفروا من دينكم فلا تخشوهم واخشون اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا }[المائدة:3]. والتعامل مع «الآخر المسلم»، و«الآخر الكافر» يكون وفق النصوص الشرعية، ولهذا لم تكن هناك مشكلة في التعامل مع «الكافر» في التأريخ الإسلامي؛ لأن التعامل مقيد بالنص الشرعي فهناك الكافر المسالم، وهناك الكافر الحربي، وهناك الكافر الذمي ... ولكل نصوص تبين طريقة التعامل معه. فالكافر المسالم ينطبق عليه قوله تعالى {لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين}[الممتحنة:8]. والكافر الحربي ينطبق عليه قوله تعالى {إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون }[الممتحنة:9]. وقد فصل أهل العلم الموثوق بهم هذه الحالات، وبينوا الطريق الشرعي في التعامل؛ لكن بسبب الاعتداءات الأخيرة في بلادنا – حرسها الله – لجأ كثير ممن يعرفون الكتابة إلى زعزعة الثوابت الشرعية ظنا منهم أن سبب تلك الاعتداءات يرجع إلى هذه النصوص الشرعية، ومن ظن هذا الظن فهو على خطر عظيم، ولا يترك المسلم المتمسك بدينه ثوابته الشرعية لأجل فئة بغت أو دولة طاغية قتلت المسلمين وشردتهم. والمتتبع لتأريخنا يعلم أن «الآخر الكافر» عاش في بلادنا، وتعامل معه المسلمون، ولم تكن بيننا وبينه نائرة حتى ظهرت التعقيدات السياسية مما أدى إلى انحراف فئة اعتدت فتبعتهم فئة أخرى انحرفت بمحاولة العبث بالأسماء الشرعية. * * * 2) الكاتب يقع في الجهل المركب حيث يستشهد بحديث موضوع لا تصح نسبته إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- ثم يصف هذا الحديث الموضوع بأنه «صحيح» ؛ فقال :« أما في السنة النبوية فإن الرسول الكريم- صلى الله عليه وسلم- قال في حديث صحيح (اطلبوا العلم ولو في الصين)». كيف يصف حديثا موضوعا بـ«صحيح»؟! هذا الحديث الذي وصفه الكاتب بـ«صحيح» قال عنه الخلال : «أخبرني المروذي أن أبا عبد الله – يعني الإمام أحمد بن حنبل- ذكر له هذا الحديث، فأنكره إنكارا شديدا».( المنتخب من العلل للخلال 130). وقال ابن حبان في كتاب المجروحين (1/489) في ترجمة «طريف بن سلمان أبو عاتكة» ذات الرقم (511) : «وهذا الحديث باطل لا أصل له». وقال ابن الجوزي في الموضوعات (1/216) : «هذا حديث لا يصح عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-». ألا يعلم الكاتب أنه لا تجوز نسبة الحديث الموضوع إلى النبي –صلى الله عليه وسلم؟! ألا يعلم أنه لا يجوز الاحتجاج بالحديث الضعيف فكيف بالموضوع؟! ألا يعلم أن احتجاجه في غير محله؛ لأن وصف «الكفر» غير مانع من تبادل المنافع الدنيوية والعلوم العامة؟! إن سألتني لمه؟ أجبت : الجهل يجعله يصف ذلك. * * * 3) يزيد الكاتب في الجهل حين يجعل من يصف ديار الصين بـ«ديار كفر» بـ«المتشدد» فيقول : «وبلاد الصين التي أخذت نموذجا لطلب العلم ديار كفر بمفهوم ذلك الرأي المتشدد،». مهلا يا عبد المحسن، أبلغت قعر الجهل؟! ألا تعلم أن بلاد «الصين» في عهد الرسول –صلى الله عليه وسلم- :«ديار كفر» وحتى في هذا العصر نسبة المسلمين قليلة، وليسوا أهل شوكة ومنعة. فهل ترى أن بلاد الصين «ديار إسلام» كي تكون «متسامحا»؟! * * * 4) الكاتب يبني نتائج على مقدمات باطلة؛ فقد بني نتائجه على الحديث الموضوع، ثم توصل إلى النتائج بناء على تلك المقدمة، وما بني على باطل كان باطلا، ولهذا لا حاجة إلى مناقشة ما أورده. * * * 5) يقول الكاتب : « إنني أحب أن أرى من الناس البشاشة والبشر لا التهجم والجفاء فهل نتجهم في وجوه الناس بدعوى أنهم كفار، ونطلب منهم استقبالنا بوجوه طلقة مستبشرة.. تلك إذن قسمة ضيزى.» وأقول : لم يطالبك أحد بذلك، بل تتعامل مع الكفار حسب تعاملهم مع المسلمين؛ إنما «القسمة الضيزى» أن يناقش شخص بمثل ضحالتك الشرعية عالما معروفا، ولو كنت من أهل العلم لهان الأمر، ولكن «تعالوا فانظروا بمن ابتلاني». ما تنتهجه يا عبد المحسن الماضي يسمى «الخوار» وليس «عقلانية الحوار»؛ لأنك لا تملك مقومات الحوار كي يقبل منك ذلك، ولا أدل على هذا من جهلك بالحديث الصحيح، واحتجاجك في الحوار بالحديث الموضوع، وعدم تفريقك في بين أحوال الكافر والطرق الشرعية في التعامل معه. تأمل قول النبي –صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح الذي أخرجه البخاري(كتاب الأدب برقم [6120]) من حديث أبي مسعود البدري :«إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى : إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». فأنا أقر بأنك لا تستحي لهذا كتبت مقالا يدل على جهل مركب. عوتبت في كتابة الرد بهذا الأسلوب؛ لكن صفاقة وجه الكاتب تملي عليك هذا النمط من الرد. * * * أخيرا : أنصحك بما نصح به الشيخ، وتحدث في تخصصك : « هؤلاء يعترفون بالتخصصات وعدم دخول المرء فيما ليس هو من تخصصه ـ فكما لا يتدخلون في الطب مثلا لأنه ليس من تخصصهم فلماذا يتدخلون في أمور الشرع بل وفي أخطر أمور الشرع ـ وهو العقيدة وليس من تخصصهم؟ ما أردت بهذا إلا النصيحة والبيان ». * * * www.alwatan.com.sa/daily/2005-06-30/readers.htm الشيخ الفوزان يعقب على اقتراحات الحوار الوطني على المنادين بتغيير المسميات الشرعية التوبة إلى الله الحمد لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه، ومن والاه وبعد. فقد خلق الله الخلق لعبادته وفطرهم على توحيده وطاعته:" ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر"، " هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن" فالله أراد لهم بإرادته الدينية الإيمان والخير وأراد لهم الشيطان ودعاة السوء الكفر والشر. قال تعالى: " يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم، والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما". ولذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وأقام الحجج فمن الناس من قبل الحق ودخل الإيمان طائعا مختارا ومن الناس من رفض قبول الحق ودخل في الكفر طائعا مختارا. وقد وضع الله فوارق بين المؤمنين والكفار في الدنيا والآخرة ونهى عن التسوية بين الفريقين وجعل لكل فريق جزاء وأحكاما في الدنيا والآخرة. ووضع لكل فريق اسما مميزا كالمؤمن والكافر والبر والفاجر والمشرك والموحد والفاسق والمنافق والمطيع والعاصي. ونهى عن التسوية بين المتخلفين في هذه الأسماء والسلوكيات فقال سبحانه: " أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات" وقال تعالى " أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار". يعني لا نجعلهم سواء. لأن ذلك لا يليق بعدل الله. وأمر المؤمنين بالبراءة من الكفار والمشركين ولو كانوا من أقاربهم. قال تعالى" قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين آمنوا معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده" ـ وهذا أصل من أصول الإيمان والدين متقرر في الكتاب والسنة وكتب العقيدة الصحيحة لا يماري فيه مسلم ـ ولكننا في هذه الأيام صرنا نقرأ في بعض الصحف نقلا عما دار في مؤتمر الحوار الوطني محاولة واقتراحا من بعض المشاركين ـ نرجو أن تكون تلك المحاولة والاقتراح صادرين عن جهل. وذلك كما نشر في بعض الصحف أن يترك لفظ الكافر ويستبدل بلفظ مسلم وغير مسلم، أو يقال المسلم والآخر. وهل معنى ذلك أن نترك ما ورد في القرآن والسنة وكتب العقيدة الإسلامية من لفظ الكفر والشرك والكفار والمشركين فيكون هذا استدراكا على الكتاب والسنة فيكون هذا من المحادة لله ولرسوله؟. ومن تغيير الحقائق الشرعية فنكون من الدين حرفوا كتاب ربهم وسنة نبيهم ثم ما هو الدافع لذلك؟ هل هو إرضاء الكفار، فالكفار لن يرضوا عنا حتى نترك ديننا. قال تعالى" ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم" وقال تعالى " ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا" " ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء" ، ثم إنه لا يجوز لنا إرضاء الكفار والتماس مودتهم لنا وهم أعداء لله ولرسوله. قال تعالى " يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق". وإن كان مراد هؤلاء المنادين بتغيير هذه المسميات الشرعية التلطف مع الكفار وحسن التعامل معهم فهذا لا يكون على حساب تغيير المسميات الشرعية بل يكون ذلك بما شرعه الله نحوهم وذلك بالأمور التالية: 1 ـ دعوتهم إلى الإسلام الذي هو دين الله الذي شرعه للناس كافة ـ قال تعالى" ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن" فنحن ندعوهم لصالحهم وسعادتهم في الدنيا والآخرة. 2 ـ عقد الصلح معهم إذا طلبوا ذلك قال تعالى" وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله إنه هو السميع العليم" وكذلك إذا احتاج المسلمون إلى عقد الصلح معهم وكان في ذلك مصلحة للمسلمين. كما صالح النبي صلى الله عليه وسلم الكفار في الحديبية. وبموجب الصلح يتم التمثيل الدبلوماسي بينهم وبين المسلمين. 3 ـ عدم الاعتداء عليهم بغير حق قال تعالى" ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى". 4 ـ الإحسان إلى من أحسن منهم إلى المسلمين فلم يقاتلوا المسلمين ولم يخرجوهم من ديارهم. قال تعالى" لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين". 5 ـ التعامل معهم في المنافع المباحة من تبادل التجارة وتبادل الخبرات النافعة والاستفادة من علومهم الدنيوية والمفيدة لنا في حياتنا. 6ـ الوفاء بالعهود معهم واحترام دماء المعاهدين وأموالهم وحقوقهم ـ لأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين. قال تعالى" فما استقاموا لكم فاستقيموا لهم" وقال تعالى " ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق". والنفس التي حرم الله هي نفس المسلم ونفس المعاهد. ومن قتل معاهدا متعمدا فقد قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم " من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة. وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين سنة" رواه البخاري. ومن قتل معاهدا خطأ فهو كمن قتل مؤمنا خطأ عليه الدية والكفارة. قال تعالى" وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة". وأخيرا ـ إنني أنصح هؤلاء المنادين بتغيير المسميات الشرعية أن يتوبوا إلى الله وألا يدخلوا في شيء لا يحسنونه وليس هو من اختصاصهم لأنه من القول على الله بغير علم وقد قال تعالى" ولا تقف ما ليس لك به علم" وقال تعالى" قل إنما حرم ربي الفواحش والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون" فجعل القول عليه بغير علم فوق الشرك لخطورة ذلك ـ إذا كان هؤلاء يعترفون بالتخصصات وعدم دخول المرء فيما ليس هو من تخصصه ـ فكما لا يتدخلون في الطب مثلا لأنه ليس من تخصصهم فلماذا يتدخلون في أمور الشرع بل وفي أخطر أمور الشرع ـ وهو العقيدة وليس من تخصصهم؟ ما أردت بهذا إلا النصيحة والبيان . والله ولي التوفيق. وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. الشيخ صالح بن فوزان بن عبد الله الفوزان عضو هيئة كبار العلماء ====
(1) - عنوان التعليق : لا شلت يمينك

تأريخ النشر: الأحد 29 شعبان 1426هـ الموافق 2 أكتوبر 2005مسيحية

نص التعليق
جزاك الله خيرا أخي عبدالرحمن على هذا الرد العلمي الوافي الكافي وليتك ترسله للجريدة كرد على ذلك المقال.

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : رويبضة تتكلم ؟؟ أين المشكلة

تأريخ النشر: الخميس 15 شعبان 1430هـ الموافق 6 أغسطس 2009مسيحية

نص التعليق
أخي عبدالرحمن
مما يؤسف له ان هناك ممن يزعمون انهم علماء أو طلبت علم أصبحوا يستبدلون مصطلح الكافر بالآخر , كما هو الحال مع الشيعي بدلا من الرافضي ..
أرى ان صالح الفوزان يسيء لنفسه اذا رد على كل طفل وجاهل ..
قرأت له ردا في أحد الايام على كاتب صحفي (طفل ) اسمه ممدوح المهيني!!
فقلت بصوت عال , والله لا يليق بك يا شيخ.
من يجهل يوضح له , أما من يتعالم فأرى أن علاجه الشدة في القول وإحراجه على رؤوس الاشهاد (كمثل ردك انت عليه ... ولا اجاملك في ذلك).
السؤال الذي يطرح نفسه :
من يطالب بتسمية الكافر بالآخر , فهل يسمي اسامة بن لادن وتنظيمة بالآخر ؟؟ أم سيلحقها او يسبقها بكلمة الإرهابي ؟؟

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(3) - عنوان التعليق : جيد، لكن لم لا نرفق؟

تأريخ النشر: الخميس 13 صفر 1436هـ الموافق 4 ديسمبر 2014مسيحية

نص التعليق
عبدالمحسن الماضي من الكتاب الممتازين الذين يبنون ويفيدون، وإن أخطأ في فهمه أو في كلامه فالأفضل الرد عليه بأدب ورفق كما علّمنا رسولنا عليه الصلاة والسلام، لا بشتمه وافتراض سوء طويته والهجوم عليه. وفقكم الله.

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع