قصة مثل

«المتلبريون» كلام بكلام

آراءذكر الجاحظ في كتاب «البخلاء» عن إبراهيم السندي أنه حدث عن رجل بخيل من أهل خراسان.



قال إبراهيم: فبينا هو يومًا من أيامه يأكل في بعض المواضع إذ مر به رجل فسلم عليه، فرد السلام، ثم قال الخراساني: هلم - عافاك الله!



فلما نظر إلى الرجل قد انثنى راجعًا يريد أن يطفر الجدول أو يعدي النهر، قال له: مكانك، فإن العجلة من عمل الشيطان!



فوقف الرجل، فأقبل عليه الخراساني وقال: تريد ماذا؟



قال: أريد أن أتغدى.



قال: ولِمَ ذلك؟ وكيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي؟



قال الرجل: أو ليس قد دعوتني؟!



قال: ويلك! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام.



الآيين(1) فيما نحن فيه أن نكون إذا كنت أنا الجالس وأنت المار، تبدأ أنت فتسلم، فأقول أنا حينئذ مجيبًا لك: «وعليكم السلام». فإن كنت لا آكل شيئاً سكت أنا، وسكت أنت ومضيت أنت، وقعدت أنا على حالي!



وإن كنت آكل فهاهنا بيان آخر: وهو أن أبدأ أنا، فأقول: «هلم»، وتجيب أنت، فتقول: «هنيئًا»، فيكون «كلام بكلام».



فأما كلام بفعال، وقول بأكل، فهذا ليس من الإنصاف! وهذا يخرج علينا فضلاً كثيراً!



* * *



قاعدة الخراساني هذه (كلام بكلام أما كلام بفعال فليس من الإنصاف) هي الإنجيل لغالبية المتلبريين في بلادنا.



فقد برمجت أفواههم على تكرار «تقبل الآخر»، وصار هِجّيراهم الحديث عن «إقصاء الآخر»، وانقلب ديدنهم إلى ترديد «التسامح» و«التعددية».



وما فتئوا يرشقون الآخرين بسهام «الإقصائية»، ويتشكون من تسلط «الآخر» وهم المتحكمون في كثير من وسائل الإعلام.



لما نشر أحدهم رأيه حول زلزال تسونامي المدمر، غضبت أمريكا فغضب لغضبها جمع فهاجموا «الآخر»، ونكّسوا رايات «تقبل الآخر» و«التسامح» و«التعددية»، وظهرت «الإقصائية» التي يُعْوِلون بها.



الرجل قال ما عنده بأسلوب سلمي ولم يحمل السلاح، فكان الواجب عليهم «تقبل الآخر» الذي أبدى وجهة نظره معتمدًا على أدلته سواء أاتفقوا معه أم اختلفوا، وسواء أرضيت أمريكا أم غضبت.



لكنهم خالفوا شعارهم، فـ«رفضوا الآخر»، ولما سُقط في يد بعضهم نشر وصايته على القراء فوضع في مقدمة الرد على صاحب الرأي مقالا عن الرأي وصاحبه، والمعنى : عطل عقلك أيها القارئ فأنت لا تملك التفكير ، ونحن ننوب عنك والمقال فيه كذا وكذا وصاحب المقال فيه كذا وكذا، ثم أدرج الرد بيانًا منه لـ«تقبل الآخر» كما تكون المحاكمات الصورية.



وبعضهم وصف هذا «الآخر» بصفات لا تليق بمن يدّعي وصلا بليلى، وبعضهم صار في موقف محرج بين ما يدعو إليه من «التعددية» وبين غضب أمريكا، فاستدرك وسوغ هجومه بأنه ليس «ضد الآخر» لكن أمريكا غضبت وعلينا مراعاة مشاعرها فلتذهب «تقبل الآخر» إلى الجحيم.



نقبتُ في فكر هؤلاء بحثًا عن «تقبل الآخر» فلم أجده، فلا «آخر» يتقبلونه خاصة إذا كانت القضية تثير غضب أمريكا.



ولو استعرضت كثيرًا من تجمعاتهم في هذه الشبكة لتيقنت كيف يكون «تقبل الآخر» عندهم، ولو دخلت كثيرًا من مجالسهم لعلمت مبلغ «الإقصائية» التي يتلذذون بممارستها.



فهم يقولون وأنت تقبل نظريًا؛ لكن أن يتقبلوا الآخر فعلا وقولا فهذا كلام بكلام وليس من الإنصاف عندهم أن يكون كلاما بفعال.



من السهل أن تردد ما تشاء من العبارات، ومن اليسير أن تُنظّر وتحشي المقالات؛ لكن «عند الامتحان يكرم المرء أو يهان»، وما كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء تمرة، والتطبيق للتنظير أعز من بيض الأنوق.



إذا رأيت أحد المتلبريين عندنا يرفع عقيرته، ويغني بتلك الألفاظ فلعلك تجعل هذه الجملة نصب عينيك



«كلام بكلام فأما كلام بفعال، فهذا ليس من الإنصاف».



(1) الآيين : العادة أو القانون. أعجمي معرب، ينظر شفاء العليل.

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

عدد التعليقات : 2 | عدد القراء : 8574 | تأريخ النشر : الجمعة 24 ذو الحجة 1425هـ الموافق 4 فبراير 2005م

طباعة المقال

إرسال المقالة
«المتلبريون» كلام بكلام ذكر الجاحظ في كتاب «البخلاء» عن إبراهيم السندي أنه حدث عن رجل بخيل من أهل خراسان. قال إبراهيم: فبينا هو يوما من أيامه يأكل في بعض المواضع إذ مر به رجل فسلم عليه، فرد السلام، ثم قال الخراساني: هلم - عافاك الله! فلما نظر إلى الرجل قد انثنى راجعا يريد أن يطفر الجدول أو يعدي النهر، قال له: مكانك، فإن العجلة من عمل الشيطان! فوقف الرجل، فأقبل عليه الخراساني وقال: تريد ماذا؟ قال: أريد أن أتغدى. قال: ولم ذلك؟ وكيف طمعت في هذا؟ ومن أباح لك مالي؟ قال الرجل: أو ليس قد دعوتني؟! قال: ويلك! لو ظننت أنك هكذا أحمق ما رددت عليك السلام. الآيين(1) فيما نحن فيه أن نكون إذا كنت أنا الجالس وأنت المار، تبدأ أنت فتسلم، فأقول أنا حينئذ مجيبا لك: «وعليكم السلام». فإن كنت لا آكل شيئا سكت أنا، وسكت أنت ومضيت أنت، وقعدت أنا على حالي! وإن كنت آكل فهاهنا بيان آخر: وهو أن أبدأ أنا، فأقول: «هلم»، وتجيب أنت، فتقول: «هنيئا»، فيكون «كلام بكلام». فأما كلام بفعال، وقول بأكل، فهذا ليس من الإنصاف! وهذا يخرج علينا فضلا كثيرا! * * * قاعدة الخراساني هذه (كلام بكلام أما كلام بفعال فليس من الإنصاف) هي الإنجيل لغالبية المتلبريين في بلادنا. فقد برمجت أفواههم على تكرار «تقبل الآخر»، وصار هجيراهم الحديث عن «إقصاء الآخر»، وانقلب ديدنهم إلى ترديد «التسامح» و«التعددية». وما فتئوا يرشقون الآخرين بسهام «الإقصائية»، ويتشكون من تسلط «الآخر» وهم المتحكمون في كثير من وسائل الإعلام. لما نشر أحدهم رأيه حول زلزال تسونامي المدمر، غضبت أمريكا فغضب لغضبها جمع فهاجموا «الآخر»، ونكسوا رايات «تقبل الآخر» و«التسامح» و«التعددية»، وظهرت «الإقصائية» التي يعولون بها. الرجل قال ما عنده بأسلوب سلمي ولم يحمل السلاح، فكان الواجب عليهم «تقبل الآخر» الذي أبدى وجهة نظره معتمدا على أدلته سواء أاتفقوا معه أم اختلفوا، وسواء أرضيت أمريكا أم غضبت. لكنهم خالفوا شعارهم، فـ«رفضوا الآخر»، ولما سقط في يد بعضهم نشر وصايته على القراء فوضع في مقدمة الرد على صاحب الرأي مقالا عن الرأي وصاحبه، والمعنى : عطل عقلك أيها القارئ فأنت لا تملك التفكير ، ونحن ننوب عنك والمقال فيه كذا وكذا وصاحب المقال فيه كذا وكذا، ثم أدرج الرد بيانا منه لـ«تقبل الآخر» كما تكون المحاكمات الصورية. وبعضهم وصف هذا «الآخر» بصفات لا تليق بمن يدعي وصلا بليلى، وبعضهم صار في موقف محرج بين ما يدعو إليه من «التعددية» وبين غضب أمريكا، فاستدرك وسوغ هجومه بأنه ليس «ضد الآخر» لكن أمريكا غضبت وعلينا مراعاة مشاعرها فلتذهب «تقبل الآخر» إلى الجحيم. نقبت في فكر هؤلاء بحثا عن «تقبل الآخر» فلم أجده، فلا «آخر» يتقبلونه خاصة إذا كانت القضية تثير غضب أمريكا. ولو استعرضت كثيرا من تجمعاتهم في هذه الشبكة لتيقنت كيف يكون «تقبل الآخر» عندهم، ولو دخلت كثيرا من مجالسهم لعلمت مبلغ «الإقصائية» التي يتلذذون بممارستها. فهم يقولون وأنت تقبل نظريا؛ لكن أن يتقبلوا الآخر فعلا وقولا فهذا كلام بكلام وليس من الإنصاف عندهم أن يكون كلاما بفعال. من السهل أن تردد ما تشاء من العبارات، ومن اليسير أن تنظر وتحشي المقالات؛ لكن «عند الامتحان يكرم المرء أو يهان»، وما كل بيضاء شحمة ولا كل سوداء تمرة، والتطبيق للتنظير أعز من بيض الأنوق. إذا رأيت أحد المتلبريين عندنا يرفع عقيرته، ويغني بتلك الألفاظ فلعلك تجعل هذه الجملة نصب عينيك «كلام بكلام فأما كلام بفعال، فهذا ليس من الإنصاف». (1) الآيين : العادة أو القانون. أعجمي معرب، ينظر شفاء العليل.
(1) - عنوان التعليق : مقال جميل

تأريخ النشر: الجمعة 24 ذو الحجة 1425هـ الموافق 4 فبراير 2005مسيحية

نص التعليق
وعدت ثانية يا أستاذ عبدالرحمن لممارسة هذه الكتابة الرائعة التي تعجبني ، يشدني في كتاباتك هذا العبق الأصيل من التراث ، لقد دأب كثير من المتغربين على تقديم مقولاتهم بنقولات من الغربيين وكأن تراثنا يخلو من القصص والحوادث التي تصلح لأن يستشهد بها .



يا أستاذ عبدالرحمن نحن نتشوق كثيراً لنتاجك فلماذا أنت بخيل به ؟!

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : بلا عنوان

تأريخ النشر: الجمعة 3 محرم 1426هـ الموافق 11 فبراير 2005مسيحية

نص التعليق
السلام عليكم و رحمة الله



الغريب في الأمر هو وصفهم للآخر بالتعصّب بشرط أن يكون مسلما ً . انما اذا كان مسيحيا ً او يهوديا ً فلن يطاله هذا الإتهام و الدليل ان بعض الرهبان و الباباوات ( ان صح الجمع ) قالوا ان ما يصيب الأرض من زلازل و براكين هو غضب من الله . السؤال : لماذا لم يتهموهم بالتعصب؟؟



انا لا اطلب من بني علمان ان يدافعوا عن الإسلام و لكن نريد العدل و الإنصاف بالحكم . والله ان الكفّار اعدل منهم .



قرأت مقالك استاذ عبدالرحمن في الساحة و اكاد أجزم انك لن تجد من يستطيع مناقشتك منهم فقد البسهم الله سرابيل من الغباء و هذا ليس السبب وحده و لكن لانك تقول الحق و صاحب حجة ان شاء الله .

( و اعانك الله على دخول بعض الجهلة الذين سيقولون انك متعصب ووو و يكتب خمسين سطرا و كلها لا تمت للموضوع بصلة  smile  )



و السلام عليكم

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع