قصة مثل

الإسلام «أولا»

آراءيحكى أنّ هناك حمارين كانا في مزرعة ينقلان الأحمال؛ أحدهما ينقل الملح، والآخر ينقل الإسفنج.



وكل يوم يمران على نهر فيعبران الجسر إلى الجهة الأخرى، ولبثا على هذه الحال مدة، ثم إن حمار الملح فكر في تغيير الطريقة، فقرر عبور النهر، فلما توسط النهر ذاب الملح، فخف عليه الحِمْل، وخرج وقد نجحت طريقته.



لما رأى حمار الإسفنج ذلك قرر أن يفعل كما فعل صاحبه، وظن أن ما ينطبق على حمار الملح ينطبق عليه بحكم «الحمارية» و«الحِمْل» في كلٍّ، فلما توسط النهر تشرب الإسنفجُ الماءَ فثقل عليه الحِمْل وغرق!



وما حال من يدندن بـ «الوطن أولا» ببعيدة عن حال حمار الإسفنج؛ فقد تلقف شعار «الوطن أولا» من بيئة خارجية فظن أنه يمكن تطبيقها على بيئته.



وإن تعجب فاعجب من كثرة «الأوليات» حتى لم يعد هناك «ثانويات»، وقبل مدة انتشرت إعلانات حول أوضاع السجناء وكان شعارهم «أسرة السجين أولا».



إن شعار «الوطن أولا» يصلح تطبيقه في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب بنسبة متوازنةٍ، أو في مجتمع لا يلقي للدين أهمية.



فإذا كان المجتمع متكونًا من أديان ومذاهب متنوعة فإنه لا يمكن الاحتكام إلى أحد المذاهب إلا على سبيل القسر، وإذا كانت الحرية مطروحة فلا بد من وجود مرجعية يتفق عليها أتباع تلك الأديان والمذاهب، وفي هذه الحالة فإن المرجعية المتفق عليها هي «الوطن» إذ هي القاسم المشترك بينهم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، وعلى هذا يصح رفع شعار «الوطن أولا» لأنه شعار يحتوي الجميع.



إن العارف بوضع وطننا، وتركيبته يعلم يقينًا أن المجتمع يدين بالإسلام على اختلاف الطوائف؛ فكلها صغرت نسبتها أو كبرت تفتخر بالانتساب إلى الإسلام، ولا تجد من يرضى منهم بغير الإسلام بدلا.



فليس لدينا طوائف تعارض أن يكون «الإسلام» هو المرجعية.



والمتأمل يعي أن «الإسلام» ليس ضد «الوطنية» كي يُقدّم «الوطن» عليه، بل «الإسلام» شامل للوطن والأسرة والأمن وغير ذلك، فأولية الإسلام تشمل «الوطنية».



وقد قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه». (حسنه الألباني ينظر تخريجه في إرواء الغليل 5/106-107).



إن شعار «الوطن أولا» يعني أنه أهم من «الإسلام»، وقد يفهم منه أن هناك تعارضًا بين «الإسلام» وبين «الوطنية»، أو أن «الإسلام» لا يعير «الوطن» أهمية.



إن التعلق بالوطن جبلة يصعب انتزاعها من الوجدان، وكل بوطنه هائم.





بِلادٌ بِها نِيطَتْ عليَّ تَمائِمِي = وأَوَّلُ أَرْضٍ مَسَّ جِلْدِي تُرابُها





وأعظم العجب أن يتعلق شخص بوطن طبيعته صلبة، ولم تمنعه صلابة العيش من عشقه. وهذا ما خفي على أبي عبيد البكري الأندلسي في كتاب «الآلي في شرح الأمالي» (1/349) عند شرحه قول يحيى بن طالب الحنفي :





أحقَّا عبادَ اللهِ أنْ لستُ ناظرًا = إلى قَرقرَى يومًا وأعلامِها الغُبر





فقال :« هكذا صحة إنشاده (الخضر) لا (الغبر) كما أنشده أبو علي، وكيف حين إلى أوطان يصفها بالجدب والاغبرار؟! ».



وما علم أبوعبيد أن «قرقرى» شهباء غبراء.



إن هيام أبي عبيد بالأندلس ليس مستغربًا، لكن تعلق يحيى بن طالب الحنفي هو العجب –عند بعضهم- وليس عندي عجبًا؛ لأن تراب الوطن يمتزج بروح المرء.



الإسلام لا يصادم الفطر السليمة؛ ومن أعظم هذه الفطر «حب الوطن»، وتشريعات «الإسلام» المختلفة تحمي «الوطن» عقديًّا، وأمنيًا، وأخلاقيًا.



من يرفع شعار «الوطن أولا» يريد أن تجتمع الكلمة على خدمته، وأن تكون الهمم متوجهة إليه، وهذا حاصل في وطننا برفع شعار «الإسلام أولا» لأن مَن رفع الشعار الأول ومَن يُوجه إليه الشعار مسلم.



* قرقرى : تعرف اليوم باسم (ضرما)، وهي مدينة تبعد عن الرياض غربًا 50 كيلا تقريبًا تحت عارض اليمامة.

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

عدد التعليقات : 1 | عدد القراء : 3662 | تأريخ النشر : الثلاثاء 24 ذو القعدة 1425هـ الموافق 4 يناير 2005م

طباعة المقال

إرسال المقالة
الإسلام «أولا» يحكى أن هناك حمارين كانا في مزرعة ينقلان الأحمال؛ أحدهما ينقل الملح، والآخر ينقل الإسفنج. وكل يوم يمران على نهر فيعبران الجسر إلى الجهة الأخرى، ولبثا على هذه الحال مدة، ثم إن حمار الملح فكر في تغيير الطريقة، فقرر عبور النهر، فلما توسط النهر ذاب الملح، فخف عليه الحمل، وخرج وقد نجحت طريقته. لما رأى حمار الإسفنج ذلك قرر أن يفعل كما فعل صاحبه، وظن أن ما ينطبق على حمار الملح ينطبق عليه بحكم «الحمارية» و«الحمل» في كل، فلما توسط النهر تشرب الإسنفج الماء فثقل عليه الحمل وغرق! وما حال من يدندن بـ «الوطن أولا» ببعيدة عن حال حمار الإسفنج؛ فقد تلقف شعار «الوطن أولا» من بيئة خارجية فظن أنه يمكن تطبيقها على بيئته. وإن تعجب فاعجب من كثرة «الأوليات» حتى لم يعد هناك «ثانويات»، وقبل مدة انتشرت إعلانات حول أوضاع السجناء وكان شعارهم «أسرة السجين أولا». إن شعار «الوطن أولا» يصلح تطبيقه في مجتمع متعدد الأديان والمذاهب بنسبة متوازنة، أو في مجتمع لا يلقي للدين أهمية. فإذا كان المجتمع متكونا من أديان ومذاهب متنوعة فإنه لا يمكن الاحتكام إلى أحد المذاهب إلا على سبيل القسر، وإذا كانت الحرية مطروحة فلا بد من وجود مرجعية يتفق عليها أتباع تلك الأديان والمذاهب، وفي هذه الحالة فإن المرجعية المتفق عليها هي «الوطن» إذ هي القاسم المشترك بينهم على اختلاف أديانهم ومذاهبهم، وعلى هذا يصح رفع شعار «الوطن أولا» لأنه شعار يحتوي الجميع. إن العارف بوضع وطننا، وتركيبته يعلم يقينا أن المجتمع يدين بالإسلام على اختلاف الطوائف؛ فكلها صغرت نسبتها أو كبرت تفتخر بالانتساب إلى الإسلام، ولا تجد من يرضى منهم بغير الإسلام بدلا. فليس لدينا طوائف تعارض أن يكون «الإسلام» هو المرجعية. والمتأمل يعي أن «الإسلام» ليس ضد «الوطنية» كي يقدم «الوطن» عليه، بل «الإسلام» شامل للوطن والأسرة والأمن وغير ذلك، فأولية الإسلام تشمل «الوطنية». وقد قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: «الإسلام يعلو ولا يعلى عليه». (حسنه الألباني ينظر تخريجه في إرواء الغليل 5/106-107). إن شعار «الوطن أولا» يعني أنه أهم من «الإسلام»، وقد يفهم منه أن هناك تعارضا بين «الإسلام» وبين «الوطنية»، أو أن «الإسلام» لا يعير «الوطن» أهمية. إن التعلق بالوطن جبلة يصعب انتزاعها من الوجدان، وكل بوطنه هائم. بلاد بها نيطت علي تمائمي = وأول أرض مس جلدي ترابها doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="0,red" star="***,green" style="display:none"',1) وأعظم العجب أن يتعلق شخص بوطن طبيعته صلبة، ولم تمنعه صلابة العيش من عشقه. وهذا ما خفي على أبي عبيد البكري الأندلسي في كتاب «الآلي في شرح الأمالي» (1/349) عند شرحه قول يحيى بن طالب الحنفي : أحقا عباد الله أن لست ناظرا = إلى قرقرى يوما وأعلامها الغبر doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="0,red" star="***,green" style="display:none"',2) فقال :« هكذا صحة إنشاده (الخضر) لا (الغبر) كما أنشده أبو علي، وكيف حين إلى أوطان يصفها بالجدب والاغبرار؟! ». وما علم أبوعبيد أن «قرقرى» شهباء غبراء. إن هيام أبي عبيد بالأندلس ليس مستغربا، لكن تعلق يحيى بن طالب الحنفي هو العجب –عند بعضهم- وليس عندي عجبا؛ لأن تراب الوطن يمتزج بروح المرء. الإسلام لا يصادم الفطر السليمة؛ ومن أعظم هذه الفطر «حب الوطن»، وتشريعات «الإسلام» المختلفة تحمي «الوطن» عقديا، وأمنيا، وأخلاقيا. من يرفع شعار «الوطن أولا» يريد أن تجتمع الكلمة على خدمته، وأن تكون الهمم متوجهة إليه، وهذا حاصل في وطننا برفع شعار «الإسلام أولا» لأن من رفع الشعار الأول ومن يوجه إليه الشعار مسلم. * قرقرى : تعرف اليوم باسم (ضرما)، وهي مدينة تبعد عن الرياض غربا 50 كيلا تقريبا تحت عارض اليمامة.
(1) - عنوان التعليق : مشاركة في الموضوع

تأريخ النشر: الأربعاء 25 ذو القعدة 1425هـ الموافق 5 يناير 2005مسيحية

نص التعليق
احسنت ابا ناصر و كثر الله من امثالك. كثيرا ما يعزف على هذا الوتر لاستدرار عواطف الناس و سلبهم بعض حقوقهم باسم الوطنية , و الوطن كما ارى هو تركيبة من ثلاثة عناصر اساسية هي - المواطن و الارض و السلطة - و الوطنية بهذا المفهوم اخذ و عطاء فالارض اذا اجدبت لا يطلب عاقل من اهلها ربط مصيرهم بمصيرها ولا يلامون اذا استبدلوها بخير منها و هذا ايضا ينسحب على السلطة فاذا كان المواطن لا ياخذ حقوقه الممكنة كاملة لا يلام اذا قصر في العطاء لذاك الوطن او استبدله بخير منه و الوطنية كما اسلفنا اخذ وعطاء وهذا ناموس كوني جبل الله الخلق عليه, فليس هناك حق على العبد اكبر من حق خالقه عليه فان نعمة خلق الله للعبد و ايجاده في هذه الحياة متمتعا بكل مباهجها من اكبر النعم على العبد و مع ذلك فان الله سبحانة و تعالى وعد العبد بعطاء جزيل من عنده مقابل كل طاعة يبذلها العبد لله و مقابل كل خير يعمله العبد. اردت من هذه المشاركة البسيطة ان ابين ان الوطنية اخذ و عطاء و يبقى الدين الاسلامي هو العطاء بدون اخذ لان العبد يرجو المثوبة من الله عز و جل.

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع