قصة مثل

البغاة الجهلة وحكم الجاهلية

آراءقال تعالى {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ} [سورة المائدة:50]



حين يعرض على المسلم حكمين : حكم الله –عز وجل- وحكم غيره، ثم يطبق حكم غير الله فإنه يكون مخالفًا لما يعتقده؛ ولا يخالف إلا رجلان : إما صاحب هوى، وإما جاهل أحمق.



وقد اجتمع مع الضلال والجهل الحمقُ والجاهلية في هؤلاء البغاة؛ فأما الضلال والجهل فيتضح في عدم فهمهم لخطاب الرسول –صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ الجهل ذروته فلم يفهموا دلالة الألفاظ، ومما لا شك فيه أنه قد صح عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- أنه قال في مرضه الذي توفي فيه :«أخرجوا المشركين من جزيرة العرب».[البخاري برقم (2888)]



ففهم هؤلاء أن دلالة «أخرجوا» مساوية لدلالة «اقتلوا»، ولا تسندهم اللغة العربية لا في اشتقاقها الأكبر ولا في اشتقاقها الأصغر.



ولَلقومُ الذين ظنوا أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أمر بالتمثيل بالعباس بن مرادس، أعلمُ من هؤلاء، فقد سمع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قصيدة العباس بن مرداس السلمي في يوم حنين، ثم قال : «اقطعوا عني لسانه» ولم يفهموا أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أراد الصلة.[الطبقات الكبرى (4/273)].



فهؤلاء أرفع بدرجات ممن فهم معنى «أخرجوا» على أنها «اقتلوا».



والرسول –صلى الله عليه وسلم- الذي قال :«أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» هو –أيضًا- الذي قال : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما» [البخاري برقم (2995)].



وهم حين نفوا العهد عن الكفار في بلادنا نفوا –أيضًا- الإجارة، فقد أجار هذا الكافرَ أكثرُ من مسلم ، فلم يقبلوا هذه الإجارة وكأنهم لم يعرفوا الحديث الذي رواه أنس –رضي الله عنه- قال : «ثم لما أسر أبو العاص قالت زينب: إني قد أجرت أبا العاص. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قد أجرنا من أجرت، زينب إنه يجير على المسلمين أدناهم» [المستدرك برقم (6842)].



ولم يقرؤوا حديث فاختة أم هانئ –رضي الله عنها- حين أجارت رجلين من المشركين، وأراد علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- أن يقتلهما، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : «ليس له ذلك قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت». [السنن الكبرى برقم (8684)].



فلم يفهموا قول الله –عز وجل- ، ولا معنى كلام رسوله –صلى الله عليه وسلم-.

وهب أن الحكومة ليس لها عهد ولا أمان، فهل المسلمون –أيضًا- ليس لهم عهد ولا أمان؟!



وأما الجاهلية فيهم، فهم يرون قتل من له علاقة ومن ليس له علاقة، وما أشبه حالهم بهاشم بن حرملة حين مدحه عمرو بن ذكوان الحضرمي بقوله :





أحيا أباه هاشم بن حرملة = يوم الهباتين ويوم اليعملة

والخيل تعدو بالحديد مثقلة = ورمحه للوالدات مثكلة

لا يمنع القتيل أن يخذاله = لحد ولا يسلب عنه مبذله

والقيل لا يقبل إلا أجمله = سائل بذاك رمحه ومعبله

ترى الملوك حوله مغربلة





فلم يعطه شيئًا، فلما قال :



يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له





أجازه! لأن هذا هو منطق الجاهلية أن تقتل المذنب وغير المذنب، وما الفخر في قتل المذنب؟!



لم يفرق هؤلاء بين الشعوب وحكوماتها؛ فلئن الحكومتين الأمريكية والإيطالية مذنبتان طاغيتان فالشعب يتحمل جرائر أعمال حكوماتهم!



وأما الحمق فيهم، فظنهم أن عملهم هذا جهاد، وأنهم يخدمون الإسلام والمسلمين، وصدقت العرب حين قالت : «إياك وصحبة الأحمق؛ لأنه يريد أن ينفعك فيضرك».

فهؤلاء يريدون أن ينفعوا الإسلام فضروه من حيث لا يعلمون، ولم يعلموا أن «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح».



ولو كان عبد الله بن حذافة السهمي حيا لربما فسقوه أو كفروه؛ لأنه قبل رأس طاغية الروم، فقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- وجه جيشا إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال : هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ قال : لو أعطيتني جميع ما ما ملك العرب ما رجعت عن دين محمد طرفة عين. قال : إذن أقتلك! قال: أنت وذاك. فأمر به، فصلب، وقال للرماة : ارموه قريبًا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى، فأنزله، ودعا بقدر، فصب فيها ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى ثم بكى، فقيل للملك إنه بكى فظن أنه قد جزع فقال: ردوه، ما أبكاك؟ قال : قلت هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله! فقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟ فقال له عبد الله : وعن جميع الأسارى؟ قال : نعم!. فقبل رأسه، وقدم بالأسارى على عمر فأخبره خبره، فقال عمر : حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة وأنا أبدأ فقبل رأسه. [سير أعلام النبلاء (2/14)]



فعبد الله –رضي الله عنه- يعلم أن ملك الروم طاغية، وأن تقبيل رأسه عزة له وتقدير رفيع له؛ لكنه قدّر أن إنقاذ أسارى المسلمين ترجح على إظهار العزة للكافر، وكان تقديره صحيحا، ولهذا وافقه عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- ولم يقل له : يا فاسق، قبلت رأس طاغية من الطواغيت!



لو أن هؤلاء تعلموا العلوم الحديثة، لاستغنت البلاد عن هؤلاء الكفار، ويكونون قد حققوا قول الرسول –صلى الله عليه وسلم- على أكمل وجه؛ لأنهم أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، ولم ينقضوا العهد والميثاق، ولم يتسببوا ببلاء على الإسلام والمسلمين.



لكنهم لم يتعلموا هذه العلوم التي يحتاجها المسلمون في بلدهم، ونقضوا العهد والميثاق، وجروا على الأمة ويلات أفعالهم.



فكما أن الشعوب عندهم تتحمل جرائم حكوماتهم فإننا على رأيهم يجب أن نتحمل جرائرهم على الإسلام والمسلمين.



بحثت عن فهم النصوص الشرعية عند هؤلاء فلم أجده!



وحللت وعي دلالات اللغة العربية عندهم فإذا هي صفر!



وفتشت عن العقل والحكمة عندهم فألفيتها غائبة!



لقد قدم هؤلاء للكفار والعلمانيين واللبراليين ما يريدون على طبق مذهب قد رصعت جوانبه بالجواهر الثمينة.



ولا أقول إلا : حسبنا الله ونعم الوكيل



اللهم قنا من الفتن ما ظهر منا وما بطن



واحفظ علينا أمننا،

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

عدد التعليقات : 2 | عدد القراء : 4260 | تأريخ النشر : الجمعة 1 جمادى الأولى 1425هـ الموافق 18 يونيو 2004م

طباعة المقال

إرسال المقالة
البغاة الجهلة وحكم الجاهلية قال تعالى {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [سورة المائدة:50] حين يعرض على المسلم حكمين : حكم الله –عز وجل- وحكم غيره، ثم يطبق حكم غير الله فإنه يكون مخالفا لما يعتقده؛ ولا يخالف إلا رجلان : إما صاحب هوى، وإما جاهل أحمق. وقد اجتمع مع الضلال والجهل الحمق والجاهلية في هؤلاء البغاة؛ فأما الضلال والجهل فيتضح في عدم فهمهم لخطاب الرسول –صلى الله عليه وسلم- حتى بلغ الجهل ذروته فلم يفهموا دلالة الألفاظ، ومما لا شك فيه أنه قد صح عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- أنه قال في مرضه الذي توفي فيه :«أخرجوا المشركين من جزيرة العرب».[البخاري برقم (2888)] ففهم هؤلاء أن دلالة «أخرجوا» مساوية لدلالة «اقتلوا»، ولا تسندهم اللغة العربية لا في اشتقاقها الأكبر ولا في اشتقاقها الأصغر. وللقوم الذين ظنوا أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- أمر بالتمثيل بالعباس بن مرادس، أعلم من هؤلاء، فقد سمع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قصيدة العباس بن مرداس السلمي في يوم حنين، ثم قال : «اقطعوا عني لسانه» ولم يفهموا أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أراد الصلة.[الطبقات الكبرى (4/273)]. فهؤلاء أرفع بدرجات ممن فهم معنى «أخرجوا» على أنها «اقتلوا». والرسول –صلى الله عليه وسلم- الذي قال :«أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» هو –أيضا- الذي قال : «من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة وإن ريحها توجد من مسيرة أربعين عاما» [البخاري برقم (2995)]. وهم حين نفوا العهد عن الكفار في بلادنا نفوا –أيضا- الإجارة، فقد أجار هذا الكافر أكثر من مسلم ، فلم يقبلوا هذه الإجارة وكأنهم لم يعرفوا الحديث الذي رواه أنس –رضي الله عنه- قال : «ثم لما أسر أبو العاص قالت زينب: إني قد أجرت أبا العاص. فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: قد أجرنا من أجرت، زينب إنه يجير على المسلمين أدناهم» [المستدرك برقم (6842)]. ولم يقرؤوا حديث فاختة أم هانئ –رضي الله عنها- حين أجارت رجلين من المشركين، وأراد علي بن أبي طالب-رضي الله عنه- أن يقتلهما، فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- : «ليس له ذلك قد أجرنا من أجرت، وأمنا من أمنت». [السنن الكبرى برقم (8684)]. فلم يفهموا قول الله –عز وجل- ، ولا معنى كلام رسوله –صلى الله عليه وسلم-. وهب أن الحكومة ليس لها عهد ولا أمان، فهل المسلمون –أيضا- ليس لهم عهد ولا أمان؟! وأما الجاهلية فيهم، فهم يرون قتل من له علاقة ومن ليس له علاقة، وما أشبه حالهم بهاشم بن حرملة حين مدحه عمرو بن ذكوان الحضرمي بقوله : أحيا أباه هاشم بن حرملة = يوم الهباتين ويوم اليعملة والخيل تعدو بالحديد مثقلة = ورمحه للوالدات مثكلة لا يمنع القتيل أن يخذاله = لحد ولا يسلب عنه مبذله والقيل لا يقبل إلا أجمله = سائل بذاك رمحه ومعبله ترى الملوك حوله مغربلة doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="1,red" star="***,green" style="display:none"',1) فلم يعطه شيئا، فلما قال : يقتل ذا الذنب ومن لا ذنب له doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="0,red" star="***,green" style="display:none"',2) أجازه! لأن هذا هو منطق الجاهلية أن تقتل المذنب وغير المذنب، وما الفخر في قتل المذنب؟! لم يفرق هؤلاء بين الشعوب وحكوماتها؛ فلئن الحكومتين الأمريكية والإيطالية مذنبتان طاغيتان فالشعب يتحمل جرائر أعمال حكوماتهم! وأما الحمق فيهم، فظنهم أن عملهم هذا جهاد، وأنهم يخدمون الإسلام والمسلمين، وصدقت العرب حين قالت : «إياك وصحبة الأحمق؛ لأنه يريد أن ينفعك فيضرك». فهؤلاء يريدون أن ينفعوا الإسلام فضروه من حيث لا يعلمون، ولم يعلموا أن «درء المفاسد مقدم على جلب المصالح». ولو كان عبد الله بن حذافة السهمي حيا لربما فسقوه أو كفروه؛ لأنه قبل رأس طاغية الروم، فقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- وجه جيشا إلى الروم، فأسروا عبد الله بن حذافة، فذهبوا به إلى ملكهم، فقالوا: إن هذا من أصحاب محمد. فقال : هل لك أن تتنصر وأعطيك نصف ملكي؟ قال : لو أعطيتني جميع ما ما ملك العرب ما رجعت عن دين محمد طرفة عين. قال : إذن أقتلك! قال: أنت وذاك. فأمر به، فصلب، وقال للرماة : ارموه قريبا من بدنه، وهو يعرض عليه ويأبى، فأنزله، ودعا بقدر، فصب فيها ماء حتى احترقت، ودعا بأسيرين من المسلمين، فأمر بأحدهما فألقي فيها وهو يعرض عليه النصرانية وهو يأبى ثم بكى، فقيل للملك إنه بكى فظن أنه قد جزع فقال: ردوه، ما أبكاك؟ قال : قلت هي نفس واحدة تلقى الساعة فتذهب فكنت أشتهي أن يكون بعدد شعري أنفس تلقى في النار في الله! فقال له الطاغية: هل لك أن تقبل رأسي وأخلي عنك؟ فقال له عبد الله : وعن جميع الأسارى؟ قال : نعم!. فقبل رأسه، وقدم بالأسارى على عمر فأخبره خبره، فقال عمر : حق على كل مسلم أن يقبل رأس ابن حذافة وأنا أبدأ فقبل رأسه. [سير أعلام النبلاء (2/14)] فعبد الله –رضي الله عنه- يعلم أن ملك الروم طاغية، وأن تقبيل رأسه عزة له وتقدير رفيع له؛ لكنه قدر أن إنقاذ أسارى المسلمين ترجح على إظهار العزة للكافر، وكان تقديره صحيحا، ولهذا وافقه عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- ولم يقل له : يا فاسق، قبلت رأس طاغية من الطواغيت! لو أن هؤلاء تعلموا العلوم الحديثة، لاستغنت البلاد عن هؤلاء الكفار، ويكونون قد حققوا قول الرسول –صلى الله عليه وسلم- على أكمل وجه؛ لأنهم أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، ولم ينقضوا العهد والميثاق، ولم يتسببوا ببلاء على الإسلام والمسلمين. لكنهم لم يتعلموا هذه العلوم التي يحتاجها المسلمون في بلدهم، ونقضوا العهد والميثاق، وجروا على الأمة ويلات أفعالهم. فكما أن الشعوب عندهم تتحمل جرائم حكوماتهم فإننا على رأيهم يجب أن نتحمل جرائرهم على الإسلام والمسلمين. بحثت عن فهم النصوص الشرعية عند هؤلاء فلم أجده! وحللت وعي دلالات اللغة العربية عندهم فإذا هي صفر! وفتشت عن العقل والحكمة عندهم فألفيتها غائبة! لقد قدم هؤلاء للكفار والعلمانيين واللبراليين ما يريدون على طبق مذهب قد رصعت جوانبه بالجواهر الثمينة. ولا أقول إلا : حسبنا الله ونعم الوكيل اللهم قنا من الفتن ما ظهر منا وما بطن واحفظ علينا أمننا،
(1) - عنوان التعليق : اجدت يا ابا ناصر

تأريخ النشر: السبت 2 جمادى الأولى 1425هـ الموافق 19 يونيو 2004مسيحية

نص التعليق
لا تعليق و لا زيادة



تحياتي



ماجد

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : غفر الله لك

تأريخ النشر: الجمعة 12 رمضان 1426هـ الموافق 14 أكتوبر 2005مسيحية

نص التعليق
اخي العزيز وما معنى الاخراج ...الاخراج هو الطرد والابعاد يكون بالكلام وعندما لاينفع الكلام يكون بالسنان اخي الكريم من قال لك انهم معاهدون انهم مفروضين على الحكام المسلمين وليكن في علمكم ان جزء" منهم جواسيس واستخبارات اخي الكريم ليتك مانزلقت هذا المنزلق الخطر واما عبدالله فما فعل منكرا" قبل راس المسيحي واطلق سراح المسلمين ولم يكن جاسوسا له ولم يكفر اصحابه من المجاهدين ويامرهم بالتعاون مع الروم سبحان الله عما يصفه الظالمون

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع