تأثير الواقع النفسي للشاعر في اتساق اللفظ والمعنى مع واقعه : قراءة في قصيدة ابن الرومي وقصيدة أبى ال

البحوث

 تأثير الواقع النفسي للشاعر في اتساق اللفظ والمعنى مع واقعه



قراءة في قصيدة ابن الرومي وقصيدة أبي الحسن التهامي في رثاء ابنيهما



نشر هذا البحث في



مجلة الدراسات العربية (كلية دار العلوم ، جامعة المنيا، مصر)
المجلد الرابع ، العدد 27 ، يناير 2013م ، الصفحات: 2435-2468



 



اضغط هنا للحصول على مستلة البحث PDF



 اضغط هنا للحصول على البحث بصيغة وورد



ملخص البحث



يدرس هذا البحث تأثير الواقع النفسي للشاعر في اتساق اللفظ والمعنى مع واقعه؛ فالاتساق على مستويين : مستوى اتساق اللفظ مع المعنى، ومستوى اتساقهما مع الواقع؛ إذ اللفظ قد يتسق مع المعنى لكنه لا يتوافق مع الواقع النفسي للشاعر، أو لا يتناسب مع الغرض الذي قيل فيه.



ووقع الاختيار على شاعرين متضادين في الواقع أحدهما متفائل متطلع، والآخر متشائم منقبض؛ لأن التضاد أوضح في إظهار الفوارق.



واخترت قصيدة ابن الرومي:












 

بكاؤكُما يَشْفِي وإنْ كان لا يُجدي


 

فجودا فقد أودى نظيرُكمَا عندي




وقصيدة أبي الحسن التهامي:












 

حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري


 

ما هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرار




وذلك لشهرتهما في مراثي الأبناء، مع مقارنة القصيدتين بالقصائد الأخرى للشاعر نفسه في الرثاء.



وهذه الدراسة ليست مقارنة نقدية بين القصيدتين –إذ تحتاج إلى رسالة مستقلة- إنما تهدف هذه الدراسة إلى توضيح علاقة الواقع النفسي في اختيار اللفظ والمعنى، وتطبيق هذه العلاقة على المواضع المتوافقة معها في القصيدتين.



وشملت الدراسة مدخلًا عن قضية اللفظ والمعنى وتوضيح الاتساق الذي يهدف إليه البحث، والتأثير في مطلع القصيدة ومقدمتها، والتأثير في مكونات اللفظ والمعنى، والتأثير في المكون الديني، والتأثير في حجم الحديث عن الابن.





شغلت قضية اللفظ والمعنى النقاد قديمًا وحديثًا([1])؛ فمن الآراء القديمة كلام بشر ابن المعتمر (210هـ):«ومن أراد معنى كريمًا فليلتمس لفظًا كريمًا فإنّ حقَّ المعنى الشريف اللفظ الشريف».([2])



 وقال العتابي (220هـ):«الألفاظ أجساد، والمعاني أرواح، وإنَّما تراها بعيون القلوب، فإذا قدمت منها مؤخرًا أو أخرّت منها مقدمًا أفسدت الصورة، وغيرّت المعنى، كما لو حوّل رأس إلى موضع يد أو يد إلى موضع رجل، لتحولت الخلقة وتغيرت الحلية».([3])



وقد قسم ابن قتيبة (ت276هـ) الشعر إلى أربعة أضرب: ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه, وضرب حسن لفظه دون معناه, وضرب جاد معناه وقصرت ألفاظه, وضرب تأخر معناه وتأخر لفظه.([4])



فهذه الأقوال تتناول اللفظ مقابل المعنى دون النظر إلى الواقع الذي انصب فيه اللفظ والمعنى.



وعرف البلاغيون البلاغة بأنها موافقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته([5])، فهذا التعريف يحدد أهمية مقتضى الحال في كون الكلام بليغًا.



وفيه إشارة إلى أن المعنى قد يكون جيدًا واللفظ حسنًا؛ لكنه لا يطابق مقتضى الحال، ومما يوضح انفصال بعض المعاني والألفاظ عن الواقع مطلع المتنبي:([6])












 

إِذا كانَ مَدحٌ فَالنَسيبُ المُقَدَّمُ


 

أَكُلُّ فَصيحٍ قالَ شِعرًا مُتَيَّمُ




فالمتنبي يشير إلى عدم اتساق بعض شعراء المدح مع واقعهم؛ فيقدمون النسيب وهم ليسوا عشاقًا، وقد دأب الشعراء على الفصل بين شعرهم لفظًا ومعنًى وبين واقعهم، كما في خبر النعمان بن عدي:






























 

ألا هل أتى الحسناءَ أنّ حليلَها


 

بميسانَ يُسْقَى في زُجَاجٍ وحنتم


 

إذا شئت عادتني دهاقين قريةٍ


 

ورقاصة تحدو على كل منسمِ


 

فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني


 

ولا تسقين بالأصغر المتثلم


 

لعل أمير المؤمنين يسوؤهُ


 

تنادُمُنا بالجوسق المتهدم




 فلما بلغت عمر الأبيات، قال: أجل والله إن ذلك ليسوؤني، فمن لقيه منكم فليخبره أني قد عزلته، فقدم على عمر فاعتذر، وحلف ما صنع مما قال شيئًا، وعلل ما قال بأنه كان شاعرًا وجد فضلًا من قول كما يقول الناس، فقال عمر: والله لا تعمل لي عملًا ما بقيت وقد قلت ما قلت.([7])



ومن أشهر الأمثلة على حسن اللفظ وجودة المعنى لكن الشاعر قصر في تطبيقهما على الواقع: بيت القطامي وبيت كثير عزة، وقد ورد الخبر في المصادر التراثية:«قال أبو عمر الشيباني: لو قال القطامي بيته:












 

يَمشينَ رَهوًا فلا الأعجازُ خاذلةٌ


 

ولا الصدورُ على الأعجازِ تَتَّكِلُ




في صفة النساء لكان أشعر الناس.



ولو قال كُثَيِّر:












 

فَقُلتُ لَها يا عَزَّ كُلُّ مُصيبَةٍ


 

إِذا وُطِّنَت يَومًا لَها النَفسُ ذلَّتِ




في مرثية أو صفة حرب لكان أشعر الناس».([8])



فالذين نقدوا البيتين لم يتعرضوا لحسن اللفظ وشرف المعنى؛ إنما نقدوا اتساقهما مع ما قيلا فيه، ولذا قدم ابن طباطبا لهذه الحكاية بقوله :«وأما المعرض الحسن الذي ابتذل على ما يشاكله من المعاني ...».([9])



وقال أبو هلال العسكري عن بيت القطامي :«قالت العلماء: لو كان البيت الأول في صفة النساء لكان أحسن وذلك لما رأوا من تمام حسنه وظريف لفظه».([10])



وهذا ما يسعى إليه هذا البحث من الكشف عن تأثير الواقع النفسي للشاعر في اختياره اللفظ والمعنى، وليس من اختصاص البحث دراسة ألفاظ النصين أو معانيهما.





وقع الاختيار على شاعرين طرفي نقيض في واقعهما النفسي؛ لأن الضد يظهر حسنه الضد([11])، وبضدها تتبين الأشياء.([12])



فابن الرومي متشائم شديد التطير متهتك، مقذع في هجائه لا يتورع عن استخدام أقذر الألفاظ([13])، ووصف د.علي علي صبح إيمانه بأنه «إيمان على حرف».([14])



ومن قصص تطيره: أراد بعض أصحابه أن يحضر إليهم في يوم أنس، فسيروا إليه غلامًا نظيف الثوب طيب الرائحة حسن الوجه، فتوجه إليه، فلما طرق الباب عليه وخرج له أعجبه حاله، ثم سأله عن اسمه فقال له: إقبال، فقال: إقبال مقلوبه لا بقاء ودخل وأغلق الباب.([15])



وأما أبو الحسن التهامي فتقلَّد الخطابة بالرّملة ولا يتقلدها إلا رجل متزن.



وكانت نفسه تحدّثه بمعالي الأمور، شديد التحمل، وكان متورِّعًا، صَلِفَ النفس، متقشِّفًا، يطلب الشيء من وجهه، ولا يريده إلاَّ من حِلِّه.



وليس له في الهجاء سوى قصيدة واحدة، وحينما نسخ شعر البحتري امتنع من كتابة أبيات الهجاء، وقال: لا أُسطِّر بخطِّي مثالبَ الناس.([16])





تناول النقاد القدماء والمحدثون دلالة المطلع على محتوى القصيدة([17])، وهناك فرق بين «المطلع» و«مقدمة القصيدة»؛ فالمطلع ينصرف إلى البيت الأول من القصيدة، والمقدمة تنصرف إلى العناصر السابقة للموضوع.([18])



لقد اختلف وضوح دلالة المطلع بين قصيدة ابن الرومي وبين قصيدة أبي الحسن التهامي؛ إذ دلالة المطلع على موضوع القصيدة واضحة جدًا عند ابن الرومي؛ فقد دخل مباشرة في الغرض:



















1



بكاؤكُما يَشْفِي وإنْ كان لا يُجدي


 

فجودا فقد أودى نظيرُكمَا عندي



2



بُنَيَّ الذي أهدْتهُ كَفَّايَ للثَّرَى


 

فيا عزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرَةَ المُهْدِي




فقد تضمن المطلع البكاء ومخاطبة العينين وذكر منزلة المتوفى عند الشاعر وأنهما بمنزلة عينيه، وهذا كله يدل المتلقي على موضوع القصيدة وعلى من قيلت فيه لا سيما أنه صرح بالمتوفى في صدر البيت الثاني.



إن استفتاح ابن الرومي بالقصيدة بالبكاء في صدر البيت مؤشر للحالة النفسية التي اكتنفت الشاعر حين إنشائها فانعكس ذلك على اتساق اللفظ والمعنى مع هذه الحالة، والتشاؤم والحزن الشديد قرينان.



وكما أثرت الحالة النفسية في لفظ المطلع ومعناه فقد أثرت في مقدمة القصيدة؛ إذ اتسق المطلع مع ما بعده من أبيات في الدلالة على تجذر الحزن لدى ابن الرومي؛ إذ تتكون القصيدة من مطلع متلبد بالحزن؛ ثم الأبيات التالية في كل بيت منه ضمير يعود إلى ابنه «بني، أهدته، صبيتي، لمحاته، أفعاله، طواه، مزاره»، عدا البيت الثالث المتمحور حول الموت:































2



بُنَيَّ الذي أهدْتهُ كَفَّايَ للثَّرَى


 

فيا عزَّةَ المُهْدَى ويا حَسْرَةَ المُهْدِي



3



ألا قَاتَلَ الله المنايا وَرَمْيَها


 

منِ القومِ حَبّاتِ القلوبِ على عَمْدِ



4



توخَّى حِمَامُ الموتِ أوسطَ صبيتي


 

فلله كيف اخْتارَ واسطةَ العِقْدِ



5



على حين شمتُ الخيرَ مِنْ لَمَحاتِهِ


 

وآنستُ مِن أفعالِه آيةَ الرُّشدِ




وقد كانت فاجعة ابنه الأوسط محمد هي الأولى بين أبنائه فكان وقعها قويًا عليه، ولهذا ضَؤُلت دلالة المقدمة في رثاء ابنه الآخر:([19])































1



حماهُ الكَرى همٌّ سرى فتأوَّبا


 

فبات يُراعي النجم حتى تَصوَّبا



2



أعينيَّ جودا لي فقد جُدْتُ للثرى


 

بأكثرَ مما تَمنعانِ وأطيبا



3



بُنِيَّ الذي أهديتُهُ أمسِ للثرى


 

فلِلّهِ ما أقوى قَناتي وأصلَبا



4



فإن تمنعاني الدمعَ أرجعْ إلى أسىً


 

إذا فَتَرتْ عنه الدموعُ تلهَّبا




فقد اختفت دلالة الحزن في المطلع بانعدام الألفاظ الدالة عليه، وليس فيه ما يدل على موضوع القصيدة؛ لكنه دخل مباشرة في الغرض في البيت الثاني، ويلحظ اتكاؤه على المعاني والألفاظ في قصيدته الأولى؛ فصدر البيت الثاني متطابق مع صدر البيت الثاني والأربعين في القصيدة الأولى، وصدر البيت الثالث متفق مع صدر البيت الثاني في القصيدة الأولى.



وفي رثائه لابنه الثالث هبة الله تختفي دلالة المطلع ودلالة المقدمة:([20])





































1



يا هل يُخلَّدُ منظرٌ حَسنُ


 

لممتَّع أو مَخْبرٌ حسنُ



2



أم هل يطيبُ لمقلةٍ وَسنٌ


 

فيقرُّ فيها ذلك الوسنُ



3



أم هل يُبَتُّ لذاهبٍ قَرَنٌ


 

يومًا فيُوصَل ذلك القَرَنُ



4



كم مِنَّةٍ للدهر كدَّرها


 

لم تصفُ منه ولا له المِننُ



5



ما زال يكسونا ويسلبنا


 

حتى نظلَّ وشُكرنا إحَنُ




ثم دخل في الغرض في البيت الثامن:













8



أبُنَيّ إنك والعزاءَ معًا


 

بالأمس لُفَّ عليكما كفنُ




إن المقارنة بين دلالة المطلع في القصائد الثلاث -وقد وجهت كل قصيدة إلى ابن من أبنائه- تبرز قوة دلالة المقدمة في القصيدة الأولى، التي كانت الفاجعة الأولى فكان المطلع والمقدمة متسقين مع الواقع النفسي للشاعر، ولما تكررت المصيبة خفت قوة الصدمة فخفت معها دلالة المطلع والمقدمة فاتسقتا مع واقع الشاعر الذي تعود على المصائب.



وبناء على هذا رجح بعض الباحثين أن يكون ابنه هبة الله آخر أبنائه وفاةً([21])؛ وذلك لبعد دلالة المطلع والمقدمة عن موضوع القصيدة، وهذا يعني بُعْدَ الشاعر واقعيًا عن التأثر القوي بالمصيبة فرجحت كفة الحكمة على العاطفة.



ويبرز تأثير الواقع النفسي لابن الرومي في مقدمات رثائه لغير أقاربه كرثائه لمحمد بن عبدالله بن طاهر:([22])





































1



إن المنِيَّةَ لا تُبْقي على أحَدِ


 

ولا تهابُ أخا عزٍّ ولا حَشَدِ



 2



هذا الأميرُ أَتَتْهُ وهْو في كَنَفٍ


 

كاللَّيْل من عُدَدٍ ما شئْتَ أو عَدَدِ



3



من كلِّ مُسْتَعْذِبٍ لِلْموتِ دَيْدَنُهُ


 

بَزُّ الكُماة ولُبْسُ البيض والزَّرَدِ



4



مُعْتَادَةٌ قَنَصَ الأبْطال شِكَّتُهُ


 

يرى الطِّرادَ غداة الرَّوعِ كالطَّرَدِ



5



كأّنه اللَّيْث لا تَثْنِي عَزيمَتَهُ


 

إلّا عَزِيمتُهُ أو جُرْعةُ النَّفَد




 فمقدمة القصيدة حكمة امتزجت بالمدح، مع غياب لوازم الحزن والبكاء ومخاطبة العينين، ولذا لم يتحدث ابن الرومي عن العين بصيغة المتكلم «عيني»، بل تحدث بصيغة الغيبة؛ لغياب الباعث الحقيقي على الحزن على المرثي، وبهذا يتضح اتساق الواقع النفسي للشاعر:



















9



كم مُقْلَةٍ بعدَه عَبْرَى مُؤَرَّقَةٍ


 

كأَنما كُحِلَتْ سَمًّا على رمدِ



10



جادتْ عليه فأغْنَتْ أن يُقال لها


 

يا عيْنُ جُودِي بدَمْعٍ منك مُطَّردِ




أما أبو الحسن التِّهامي فمطلع قصيدته حكمة عن ثنائية الموت والحياة:



















1



حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري


 

ما هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرار



2



بَينا يَرى الإِنسان فيها مُخبِرًا


 

حَتّى يُرى خَبَرًا مِنَ الأَخبارِ




فقد تضمن المطلع بيان حكم المنية بطريق غير مباشر، مما هو معلوم لدي المتلقي، ثم تأكيد هذا الحكم في عجز البيت والبيت الثاني، وليس في المطلع ما يدل على الحزن أو البكاء.



وقد استغرق أبو الحسن التهامي في المقدمة الحكمية أحد عشر بيتًا، كل بيت حكمة مستقلة عن ثنائية الموت والحياة، ولهذا عده د.مخيمر أكثر من أفاض في الشعر الحكمي في رثاء الأبناء:([23])





























































3



طُبِعَت عَلى كدرٍ وَأَنتَ تُريدُها


 

صَفوًا مِنَ الأَقذاءِ وَالأَكدارِ



4



وَمُكَلِّف الأَيامِ ضِدَّ طِباعِها


 

مُتَطَّلِبٌ في الماءِ جَذوة نارِ



5



وَإِذا رَجَوتَ المُستَحيل فَإِنَّما


 

تَبني الرَجاءَ عَلى شَفيرٍ هارِ



6



فَالعَيشُ نَومٌ وَالمَنِيَّةُ يَقِظَةٌ


 

وَالمَرءُ بَينَهُما خَيالٌ ساري



7



وَالنَفسُ إِن رَضِيَت بِذَلِكَ أَو أَبَت


 

مُنقادة بِأَزمَّة الأقدار



8



فاقضوا مآرِبكم عُجَالًا إِنَّما


 

أَعمارُكُم سَفرٌ مِنَ الأَسفارِ



9



وَتَراكَضوا خَيلَ الشَبابِ وَبادِروا


 

أنْ تُستَرَدَّ فَإِنَّهُنَّ عَواري



10



فالدهر يَخدَع بِالمني وَيغُصُّ إِن


 

هَنّا وَيَهدِمُ ما بَنى بِبوارِ



11



لَيسَ الزَمانَ وَإِن حرصت مُسالِمًا


 

خُلُق الزَمانِ عَداوَة الأَحرارِ




ثم دخل في الغرض بمعانٍ عامة لا تدل على المفقود:













12



إِنّي وُتِرتُ بِصارِمٍ ذي رَونَقٍ


 

أَعدَدتَهُ لِطِلَابَةِ الأَوتارِ




ولا يستدل على المفقود إلا في البيت السابع والعشرين:













27



وَلَقَد جَرَيتَ كَما جريتُ لِغايَةٍ


 

فبلغتَها وَأَبوكَ في المِضمارِ




ولذا فإن مشاعر الحزن أوضح في قصيدة ابن الرومي، ولا يعني هذا حزنه أكثر من حزن أبي الحسن التهامي؛ لأن هناك فرقًا في اتجاه القصيدتين؛ فابن الرومي غرضه الأساس إظهار الحزن وبث مشاعره، أما أبو الحسن التهامي فغرضه الأساس إظهار قوته أمام أعدائه مع مصيبته الكبرى، كما إن أبا الحسن التهامي رثي ابنه بثلاث قصائد.



فأبو الحسن التهامي كان غرضه إسقاط نفسيته على ابنه الذي كان يؤمل فيه الآمال من التطلع إلى الرئاسة([24])، ولم يكن غرضه بث حزنه وبذا يتفق أبو الحسن التهامي مع نمط أبي ذؤيب الهذلي في مرثيته أبناءه؛ إذ إن أبا ذؤيب كان غرضه الأساس إظهار التجلد والقوة والتسلي لا بث مشاعره:([25])



















12



حَتّى كَأَنّي لِلحَوادِثِ مَروَةٌ


 

بِصَفا المُشَرَّقِ كُلَّ يَومٍ تُقرَعُ



13



وَتَجَلُّدي لِلشامِتينَ أُريهِمُ


 

أَنّي لَرَيبِ الدَهرِ لا أَتَضَعضَعُ




وهذا ملحظ دقيق جدًا تنبه إليه د.عبدالحليم حفني وقال عن أبي ذؤيب: «لم يقل هذه القصيدة ليعبر بها عما في نفسه من حزن ولا ليرثي بها بنيه وإنما كان الأمر بالعكس ... ليعبر عن جلده واحتماله ثم ليواسي نفسه».([26])



ومما يدعم هذا التفسير أن أبا الحسن التهامي في رثائه ابنه يتحدث عن أعدائه في المدخل الفعلي للرثاء في البيت الثاني عشر:













12



إِنّي وُتِرتُ بِصارِمٍ ذي رَونَقٍ


 

أَعدَدتَهُ لِطِلَابَةِ الأَوتارِ




ويبين في البيت الثالث والعشرين وضعه في المجتمع وفيمن حوله:













23



جاوَرتُ أَعدائي وَجاوَرَ رَبَّهُ


 

شَتّان بَينَ جِوارِهِ وَجِواري




ثم يصرح في البيتين الخامس والسبعين والسادس والسبعين بسلوك أعدائه نحو مصيبته:



















75



إِنّي لأَرحَم حاسِديَّ لِحَرِ ما


 

ضَمَّت صُدورُهُم مِنَ الأَوغارِ



76



نَظَروا صَنيعَ اللَهِ بي فَعُيونُهُم


 

في جَنَّةٍ وَقُلوبهم في نارِ




وقد صرح بتجلده في قصيدته الثالثة:([27])



















12



يَعُزُّ عَلى حاسِدي أَنَّني


 

إِذا طرق الخطب لَم أُطرِقِ



13



وَإِنّي طود إِذا صادمته


 

رياحُ الحَوادِث لَم يَقلقِ




وبالمقارنة بين مقدمة هذه القصيدة والقصيدتين الأخريين يترجح عندي أن القصيدة الثانية بترتيب الديوان([28]) هي أولى القصائد التي رثى بها أبو الحسن التهامي ابنه؛ وذلك لدلالة المقدمة على موضوع القصيدة والدخول في الغرض مباشرة:([29])





































1



أَبا الفَضلِ طالَ اللَيلُ أَم خانَني صَبري


 

فَخيِّل لي أَنَّ الكَواكِب لا تَسري



2



أَرى الرَملَة البَيضاء بَعدَكَ أَظلَمَت


 

فَدَهري لَيلٌ لَيسَ يُفضي إِلى فَجرِ



3



وَما ذاكَ إِلّا أَنَّ فيها وَديعَةً


 

أَبى ربها أَن تَستَرِد إِلى الحَشرِ



4



رُزئت بِملء العَين يُحسَب كَوكَبًا


 

تولَّد بَينَ الشَمس وَالقَمَر البَدرِ



5



بِأَبلَجَ لَو يَخفى لَنَمَّ ضِياؤُهُ


 

عَلَيهِ كَما نَمَّ النَسيمُ عَلى الزَهرِ




فقد اختفت المقدمة الحكمية في هذه القصيدة، والحديث فيها عن ابنه استغرق أغلب أبيات القصيدة، وهذا سبب ترجيح كون هذه القصيدة أولى قصائده في رثائه ابنه.



أما القصيدة الثالثة فهي أقلهن دلالة على العلاقة بين الأب وابنه:





































1



أَتى الدَهر مِن حَيث لا أَتَّقي


 

وَخانَ من السَبب الأَوثَقِ



2



مَضى بِأَبي الفَضلِ شَطرَ الحَياة


 

وَما مَرَّ أَنفَسُ مِمّا بَقي



3



فَقُل لِلحَوادِثِ من بَعدِهِ


 

أَسِفّي بمن شئت أَو حَلِّقي



4



أَمِنتُكِ لَم يبق لي مَن أَخاف


 

عليه الحِمامُ ولا أَتَّقي



5



وَقَد كُنتَ أَشفق مِمّا دَهاه


 

وَقَد سكنت لوعة المُشفِقِ




فمطلع القصيدة شكوى ليست فيه دلالة على الرثاء، ويلحظ تحول الخطاب في هذه القصيدة إلى الدهر والحوادث وغياب الخطاب إلى ابنه، مما يرجح أن هذه القصيدة ليست أولى القصائد التي قالها في رثاء ابنه.



والمتأمل لمقدمات القصائد لدى أبي الحسن التهامي في رثاء ابنه يلحظ تنوع المطالع ما بين حكمية في القصيدة محل البحث وتفجع ولوعة في القصيدة الثانية بترتيب الديوان، وشكوى. وهذا التنوع يكاد يكون متسقًا مع واقع الشاعر النفسي؛ إذ في قصيدته الثانية بترتيب الديوان يستنتج من مقدمتها قوة دلالة الحزن مما كان سببًا في ترجيح أنها أولى القصائد التي نظمها؛ إذ كانت مشاعره موجهة إلى ابنه، وفي القصيدة محل البحث اختلفت دلالة المقدمة بسبب اختلاف الواقع الذي يستنتج من المقدمة أن شماتة الأعداء بموت ابنه وفرحهم بالمصيبة كانت سببًا في نظمها.



ولهذا اتفقت مقدمة القصيدة بين ابن الرومي وبين أبي الحسن التهامي في قصيدته الثانية بسبب اتحاد الواقع النفسي لهما قبل نظم القصيدة.



ويمكن الاستئناس بهذا في معرفة زمن نظم النص؛ فيترجح أن ابن الرومي نظم القصيدة بعد وفاة ابنه بزمن قصير؛ لأن المطلع يدل على أن ابن الرومي كان في حالة نفسية حزينة تمنعه من تصور شيء آخر غير ابنه، وأن أبا الحسن التهامي نظم قصيدته الأولى بترتيب الديوان بعد مدة؛ لأن العقل يظهر واضحًا في المطلع وما بعده من ضرب الأمثال في الحكمة، وأراد أبو الحسن من هذا أن يسلي نفسه لكي تتقبل الفاجعة.



وإذا صحَّت هذه النظرية فيمكن بناء عليها معرفة توقيت نظم قصائد الرثاء عمومًا، كالحكم على أن قصيدة ابن الرومي في ابنه هبة الله هي آخر قصائده في رثاء أبنائه، وأنها نظمت بعد مدة أطول من القصيدة الأولى.



وبناء على هذا فقد كان للحالة النفسية للشاعرين تأثير في اتساق اللفظ والمعنى مع واقعهما؛ إذ الحزن المتلبس بابن الرومي مع تشاؤمه أثر في اختيار الألفاظ الدالة على تمكن الحزن من البدء بالبكاء فظهرت العاطفة جلية، وأبو الحسن التهامي خاطب أعداءه في مصيبته فظهر العقل جليًا، وهذا ما أشار إليه د.عبدالحليم حفني: «المقدمة تعبير عن ذات الشاعر ولكن من الناحية الواقعية وليس من الناحية الفكرية الفلسفية فالشاعر يعبر في مقدمته عن انطباع الواقع الذي يعيشه في نفسه».([30])





إن الصورة العقلية للواقع النفسي لابن الرومي في تشاؤمه انعكست على اختياره اللفظ والمعنى؛ فالمتشائم حالته الواقعية مطأطئ الرأس ولذا يكون بصره متجهًا إلى الأسفل فتنعكس مكونات العالم السفلي على ذهنه فتترسخ مفردات هذه المكونات ثم تُستدعى في النظم الشعري.



وعكس هذا: الصورة العقلية للواقع النفسي لأبي الحسن التهامي في تطلعه؛ إذ هو رافعٌ رأسه يتأمل معالي الأمور فبصره متجه إلى السماء لذا انعكست مكونات العالم العلوي على ذهنه.



ولهذا يظهر تأثير الواقع النفسي في الأغراض الأخرى وليس مقصورًا على الرثاء، وفي دراسة اليظي عن ابن الرومي «أثر التشاؤم في شعر ابن الرومي» ثبت بالمواد اللغوي ذات المدلول التشاؤمي.([31])



فمن مكونات العالم السفلي لدى ابن الرومي قوله:

























8



لقد قلَّ بين الْمَهْدِ واللَّحْدِ لُبْثُهُ


 

فلم ينسَ عهْدَ المهدِ إذ ضمَّ في اللَّحدِ



9



تنغَّصَ قَبلَ الرِّيِّ ماءُ حَياتِهِ


 

وفُجِّعَ منه بالعُذُوبَةِ والبَرْدِ



11



وظلَّ على الأيدي تَسَاقَطُ نَفْسُه


 

ويَذْوِي كما يَذْوِي القضيبُ مِن الرَّنْدِ




فابن الرومي في هذه الأبيات استخدم مكونات العناصر السفلية «الري، المهد، اللحد، الأيدي، التساقط، القضيب، الرند»، وهي تتوافق مع واقعه النفسي وانخفاض بصره.



أما أبو الحسن التهامي فعلى النقيض؛ فمن مكونات العالم العلوي لديه:































14



يا كَوكَبًا ما كانَ أَقصَرَ عُمرَهُ


 

وَكَذاكَ عُمرُ كَواكِبِ الأَسحارِ



15



وَهلال أَيّامٍ مَضى لَم يَستَدِر


 

بَدرًا وَلَم يمهل لِوَقت سِرارِ



16



عَجِلَ الخُسوف عَلَيهِ قَبلَ أَوانِهِ


 

فَمَحاهُ قَبلَ مَظَنَّة الإِبدارِ



20



إِنَّ الكَواكِبِ في عُلُوِّ محلها


 

لَتُرى صِغارًا وَهيَ غَيرُ صِغارِ




فقد استخدم مكونات العناصر العلوية «الكوكب، الهلال، البدر، الخسوف» وهي تتواقع مع واقعه النفسي وتطلع بصره.



فكلا الشاعرين عبر عن موت الابن بما يستق مع واقعه النفسي؛ فابن الرومي جعل ابنه نبتٌ يرُّوى، وأبو الحسن التهامي جعل ابنه كوكبًا، ووصف ابن الرومي مشهد الاحتضار بالتساقط والذواء، ووصف أبو الحسن التهامي المشهد نفسه بالخسوف.



والتأثير في مكون اللفظ والمعنى ليس متساويًا بين الشاعرين؛ فتعبير ابن الرومي عن البعد بينه وبين ابنه لم يظهر فيه التأثير قويًا؛ وأظهر ما فيه «مزاره»:













6



طواهُ الرَّدى عنِّي فأضحى مَزَارُهُ


 

بعيدًا على قُربٍ قريبًا على بُعدِ




أما أبو الحسن التهامي فقد كان التأثير أظهر؛ إذ عبر عن البعد بالشرق والغرب وهما من مكونات العالم العلوي:













25



وَالشَرق نَحوَ الغَربِ أَقرَبُ شُقة


 

مِن بُعدِ تِلكَ الخَمسَةِ الأَشبارِ




والتأثير في المكون ليس مقتصرًا على الابن فقط، بل في رؤية الشاعر الكلية؛ فأبو الحسن التهامي يكثر من استدعاء المكون العلوي:





































37



أُحَيي لَيالي التَمِّ وَهيَ تُميتُني


 

وَيُميتُهُنَّ تبلج الأسحار



38



حَتّى رَأَيتُ الصُبحَ يَرفَعُ كفه


 

بِالضوءِ رَفرَف خيمَة كالقارِ



39



وَالصُبحُ قَد غمر النُجوم كَأَنَّهُ


 

سيل طَغا فَطمى عَلى النَوارِ



52



يَتَزَّيَنُ النادي بِحُسنِ وُجوهِهِم


 

كَتَزَيُّنِ الهالاتِ بالأَقمارِ



63



قَد لاحَ في لَيلِ الشَبابِ كَواكِبٌ


 

إِن أَمهلت آلَت إِلى الإِسفارِ




فـ«الأسحار، الصبح، الضوء، النجوم، الهالات، الأقمار، كواكب» كلها من مكونات العالم العلوي، ويلحظ أنه يعتمد في تقريب المكونات العلوية إلى الذهن بالمكونات السفلية؛ لقربها من المتلقي.



وهذا المكون الذهني ليس مقصورًا على القصيدتين محل البحث لدى الشاعرين؛ إذ شملت قصائد الرثاء المماثلة، فابن الرومي يكرر تشبيه الابن بالغصن، فيقول في ابنه هبة الله:([32])













17



يا حسرتا فارقتني فَننًا


 

غضًا ولم يُثمر ليَ الفننُ




وأبو الحسن التهامي في قصيدته الثانية يكرر استدعاء المكون العلوي كما في القصيدة محل البحث:

























4



رزيت بِملء العَين يُحسَب كَوكَبًا


 

تولَّد بَينَ الشَمس وَالقَمَر البَدرِ



6



بِنَفسي هِلال كُنتُ أَرجو تَمامَهُ


 

فَعاجله المِقدار في غُرَّة الشَهرِ



37



فإلّا تَكُن قَلبي فَإِنَّكَ شَطرِهِ


 

قُددتَ كَما قُدَّ الهِلالُ مِنَ البَدرِ




وفي قصيدته الثالثة:













10



كَأَنَّ اللِثامَ عَلى وَجهِهِ


 

هِلالٌ عَلى كَوكَبٍ مُشرِقِ




ومن التأثير في مكون اللفظ والمعنى لدى أبي الحسن التهامي إيراد لوازم الرئاسة كالشجاعة والفروسية، فهو يجعل ابنه صارمًا:













12



إِنّي وُتِرتُ بِصارِمٍ ذي رَونَقٍ


 

أَعدَدتَهُ لِطِلابَةِ الأَوتارِ




وحين أراد أن يعبر عن دورة الحياة جعلها كمضمار الخيل:













27



وَلَقَد جَرَيتَ كَما جريتُ لِغايَةٍ


 

فبلغتها وَأَبوكَ في المِضمارِ




وقد صرح بهذا التشبيه –أيضًا- هذا في قصيدته الثانية:([33])



















55



وَما نَحنُ إِلّا مِثلَ أَفراس حلبةٍ


 

تَقَدَّمنا شيء وَنَحنُ عَلى الإِثرِ



56



وَلَمّا تَجارَينا وَغايَة سَبقنا


 

إِلى المَوتِ كانَ السَبقُ لِلجَذَعِ الغَمرِ






ليس الغرض الحكم على نصوص القصيدتين وتوافقهما مع المبادئ الدينية؛ إنما المراد إيضاح اتساق الواقع الديني للشاعر مع نصه.



فالشاعران مختلفان في واقعهما النفسي وكذا الديني، على أن المصيبة وحدها ليست معيارًا في الحكم على الديانة؛ لأن الأفراد مسلمين أو كفارًا حال المصائب يقتربون من الله وتقوى أواصرهم الوجدانية {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ}[العنكبوت:65].



ومع أن المصيبة ليست معيارًا في الحكم على الديانة فإنها لم تؤثر كثيرًا في تغيير تأثير الواقع النفسي.



ولهذا لم تبرز مظاهر التسليم عند ابن الرومي سوى في الجانب الذي يتوافق مع واقعه:



















14



بودِّيَ أني كنتُ قُدِّمْتُ قَبْلَهُ


 

وأنَّ المنايا دُونَهُ صَمَدَتْ صَمْدِي



15



ولكنَّ ربِّي شاءَ غيرَ مشيئتي


 

وللرَّبِّ إمضاءُ المشيئةِ لا العبدِ




فظاهر البيت أن ابن الرومي غير متوافق مع واقعه المذهبي المعتزلي([34])؛ فالمعتزلة يرون أن العباد خالقون لأفعالهم؛ لأنهم يخرجونها من قدرة الله ومشيئته، والبيت الثاني منفصلًا لا يوافق مذهب المعتزلة؛ لكن المعتزلة يفرقون في الآجال بين من يموت حتف أنفه وبين من يموت قتلًا([35])، ولذا فإن ابن الرومي في البيتين كان متسقًا مع واقعه النفسي المذهبي ولم يخرج عنه.



وفي موضع آخر يظهر جزع ابن الرومي وعدم صبره على المصيبة:













3



ألا قَاتَلَ الله المنايا وَرَمْيَها


 

منِ القومِ حَبّاتِ القلوبِ على عَمْدِ




فجملة «على عمد» إيغال([36]) تؤكد واقعه المتشائم؛ إذ مهاجمة المنايا وعدم التسليم بالقضاء أمر شائع بين الناس لا يختصه به ابن الرومي؛ لكن تخصيص المنايا بالتعمد قد يكون مما انفرد به ابن الرومي، وهذا يتوافق مع نفسيته المتشائمة في تفسير المصائب.



وقد تجاوز ابن الرومي الحد في قوله:













16



وما سرَّني أَنْ بِعْتُهُ بثوابِه


 

ولوْ أنَّه التَّخْليدُ في جنَّةِ الخُلدِ




وقد دافع د.مخيمر عن هذا التعبير وأرجعه إلى حالة ضعف، وأن نماذج أخرى من شعره تصفه بعمق الإيمان([37])، وهذا البحث يحاول تفسير مثل هذا التجاوز؛ فأبو الحسن التهامي مر بحالة الضعف لكن اختلف تعبيره؛ وذلك بسبب واقعه المتدين، أما ابن الرومي فإن هذا البيت غير مستغرب صدوره منه؛ لأنه في واقعه متشائم غير متدين.



وأختلف مع د.مخيمر في إرجاع هذا التجاوز إلى حالة الضعف؛ فهذا التجاوز متسق مع التفسيرات الأخرى لابن الرومي لما يراه في واقعه اليومي؛ فمن تفسيراته المتجاوزة أنه خرج وإذا على باب داره حانوت خياط قد صلب عليها درفتين كهيئة اللام ورأى تحتها نوى تمر فتطير وقال: هذا يشير بأن (لا، تمر) ورجع.([38])



وقد أقفل الباب على داره ثلاثة أيام حتى كاد أن يهلك أهل بيته عطشًا بسبب أنه رأى جاره الأحدب.([39])



وبناء على هذا فإن التجاوز في البيت متسق مع التجاوزات في تفسير الماديات في واقع الشاعر النفسي.



أما أبو الحسن التهامي فقد عبر في قصيدته الثانية عن فكرة فدائه نفسه بالموت عن ابنه بعكس ما عبر به الرومي؛ إذ تجلى التسليم المطلق:([40])



















11



وواللَهِ لَو أَسطيعَ قاسَمتُهُ الرَدى


 

فَمُتنا جَميعًا أَو لقاسَمَني عُمري



12



وَلَكِنّما أَرواحَنا مُلكَ غَيرِنا


 

فَماليَ في نَفسي وَلا فيهِ مِن أَمرِ




 وأبو الحسن التهامي ألطف عبارة في إظهار مشاعره في فقد ابنه، وفي تعبيره عن موت ابنه نهج الإخبار بدل التفجع واللوم:













26



هَيهات قَد علقتك أَشراك الرَدى


 

واغتال عُمرَكَ قاطع الأَعمارِ




فلم يظهر لديه التهجم على المنايا، أو الجزع المفرط، بل ظهر لديه التسليم بقضاء الله وقدره في أعلى مستوياته:



















22



أَبكيهِ ثُمَّ أَقولُ مُعتَذِرًا لَهُ


 

وُفِّقتَ حينَ تَرَكتَ ألأمَ دارِ



23



جاوَرتُ أَعدائي وَجاوَرَ رَبَّهُ


 

شَتّان بَينَ جِوارِهِ وَجِواري




فوصفه للحياة الدنيا بأنها ألأم دار ثم إسباغ التوفيق على ترك الحياة متسق مع واقعه المتدين المعتمد على النصوص الشرعية التي تصف الحياة الآخرة بأنها أفضل كقوله تعالى{وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ}[الأنعام:32] وقوله تعالى{اللّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاء وَيَقَدِرُ وَفَرِحُواْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ مَتَاعٌ}[الرعد:26]



وصار البيت الثاني أرضًا خصبة للقصص كما ذكر المترجمون للتهامي بأنه: «رُئيَ بعد موته في المنام، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي. قيل له: بأيِّ الأَعمال؟ قال: بقولي في مرثية ولدٍ لي صغير ...» البيت([41]).



ومن مظاهر التسليم بقضاء الله قدره قوله في القصيدة الثانية:([42])













8



أَتاهُ قَضاءُ اللَهِ في دار غُربَةٍ


 

بِنَفسي غَريبُ الأَصلِ وَالقَبرِ وَالقَدرِ




فقد اتسق الواقع المتدين للتهامي مع قصائده في رثاء ابنه؛ فتوافقت الألفاظ والمعاني مع المبادئ الشرعية لديه.





إن المتأمل في قصيدة ابن الرومي يلحظ أن ابنه هو محور القصيدة كلها؛ فأبيات القصيدة واحد وأربعون بيتًا إما عنه أو مما له تعلق به، أما أبو الحسن التهامي فلم يدخل في الرثاء إلا في البيت الثاني عشر وينتهي الحديث عن ابنه أو ما يتعلق به عند البيت التاسع والثلاثين، ومن البيت الأربعين إلى نهاية القصيدة في البيت التاسع والثمانين موضوعات لا علاقة لها بالابن، بل حكم عامة ورؤية الشاعر لمصاعب الحياة التي يعانيها.



وهذا قد يفهم منه تعلق ابن الرومي بابنه أكثر من أبي الحسن التهامي؛ لكن مثل هذا الحكم غير صحيح.



لقد أطال ابن الرومي في رثاء ابنه محمد؛ لأنه أول من فجع به من أبنائه فكانت القصيدة «صرخة الضربة الأولى»([43])، لذا كانت المصيبة كبيرة فتناسب الاستغراق في الحديث عن الابن مع حجم هذه المصيبة.



ثم فجع بابنه هبة الله فقال فيه قصيدة عدتها خمسة وعشرون بيتًا:













1



يا هل يُخلَّدُ منظرٌ حَسنُ


 

لممتَّع أو مَخْبرٌ حسنُ




ويقل في هذه القصيدة الحديث عن الابن، وتظهر أبيات الحكمة.



ثم فجع بابنه الثالث([44]) فرثاه بأربعة أبيات:













1



حماهُ الكَرى همٌّ سرى فتأوَّبا


 

فبات يُراعي النجم حتى تَصوَّبا




فكانت هذه القصيدة «فجيعة رجل راضه الحزن على فقد البنين حتى جمدت عيناه ولم يبق عنده من البكاء إلا الأسى».([45])



فالاستغراق في الحديث عن الابن كان متسقًا مع حجم المصيبة ومدى الرضوخ لضرباتها.



ولهذا السبب أرجح أن تكون قصيدة أبي الحسن التهامي:













1



حُكمُ المَنِيَّةِ في البَرِيَّةِ جاري


 

ما هَذِهِ الدُنيا بِدار قَرار




هي القصيدة الثانية، وأن قصيدته:













1



أَبا الفَضلِ طالَ اللَيلُ أَم خانَني صَبري


 

فَخيِّل لي أَنَّ الكَواكِب لا تَسري




هي الأولى؛ إذ تتفق هذه القصيدة مع قصيدة ابن الرومي من حيث الاستغراق في الحديث عن الابن؛ إذ تقع القصيدة في ثمانين بيتًا محورها ابنه، وفيها تفصيل دقيق عنه لا نجده في قصيدته «حكم المنية»:











































9



أُحَمِّلُهُ ثقل التُرابِ وَإِنَّني


 

لأَخشى عَلَيهِ الثُقلَ مِن مَوطءِ الذَرِ



17



أَحينَ نَضا ثَوب الطُفولَة ناسِلًا


 

كَما يَنسَّلُ الرِيش اللَوام عَن النَسرِ



31



يُنَغِّصُ نَومي كُلَّ يَومٍ وَيقظَتي


 

خَيالٌ لَهُ يَسري وَذِكرٌ لَهُ يَجري



54



عَلَيكَ سَلامُ اللَهِ ربك إِن تَكُن


 

عبرت إِلى الأُخرى فَنَحنُ عَلى الجِسرِ



64



أَزورَكَ إِكرامًا وَبِرًّا وَفي البِلى


 

لِمثلِكَ شغل عَن وَفائي وَعَن بِرّي



80



إِذا ما تَوَلّى ابني وَوَلَّت شَبيبَتي


 

وَوَلّى عَزايَ فالسَلامُ عَلى الدَهرِ




وما بين هذه الأبيات حديث عن الابن ووصف له، ولهذا تكون هذه القصيدة أفضل القصائد للمقارنة مع قصيدة ابن الرومي فيما يتعلق بالاستغراق في الحديث عن الابن.



ثم يضعف نفس أبي الحسن التهامي في قصيته الثالثة:













1



أَتى الدَهر مِن حَيث لا أَتَّقي


 

وَخانَ من السَبب الأَوثَقِ




إذ تتكون من ثلاثة عشر بيتًا، خبت فيها العاطفة وقلّ الحديث عن الابن والحكمة والأعداء.





إن معرفة الواقع النفسي للشاعر يفيد في تفسير الظواهر في شعره، ومدى اتساق اللفظ والمعنى مع هذا الواقع.



فمعرفة تسلسل الفواجع زمنيًا على ابن الرومي أوضحت مدى ردة الفعل في مقدمة قصائده؛ إذ كانت قوية في فاجعته بابنه محمد، ثم تضاءلت في ابنيه الآخرين.



كما أوضح تسلسل الفواجع طول النفس وقصره في عدد الأبيات بناء على أقدمية المصيبة.



ومقارنة قصائد أبي الحسن التهامي الثلاث في ابنه قربت للباحث معرفة غرض كل قصيدة؛ فقصيدته: «أبا الفضل ...» لإظهار الحزن والتفجع، وأما قصيدته محل البحث فإظهار لتجلده ورد على أعدائه، وإسقاط لما يتوق إليه في واقعه على ابنه.



وواقع ابن الرومي المتشائم الذي تركزه فيه نظره إلى الأسفل انعكس على تكوينه الذهني للفظ والمعنى فصار مخزونه من مكونات العالم السفلي.



وواقع أبي الحسن التهامي الذي يصعد فيه بصره إلى السماء أثرى مخزونه من مكونات العالم العلوي.



والتجاوزات في تفسير الماديات في واقع ابن الرومي أفادت في تفسير التجاوز الديني في قصيدته.



وبذا يتضح أن الشاعرين في نصيهما قد اتسقا مع واقعهما النفسي ولم يخرجا عنه، مما يعني صدق التعبير عن واقعهما.





([1]) للاستزادة ينظر : بناء القصيدة العربية (113-133)، واللفظ والمعنى في التفكير النقدي والبلاغي عند العرب، دراسة الأخضر جمعي، دمشق، اتحاد الكتاب العرب، 2002م



([2]) البيان والتبين (1/136).



([3]) الصناعتين (167).



([4]) الشعر والشعراء (64-74).



([5]) ينظر: البيان والتبين (1/92-93)، والصناعتين (27)، والإيضاح للقزويني (1/41)، وشروح التلخيص (1/122).



([6]) التبيان في شرح الديوان (3/350).



([7]) الجليس الصالح (1/389)، واللآلي في شرح الأمالي (2/745).



([8]) الأغاني (24/20-21)، ومعاهد التنصيص 1/183)، وفي والموشح (193-194) وأمالي المرزوقي (356) من حكاية عبدالملك بن مروان، وبلا تعيين في عيار الشعر (142-143)، وورد التخصيص لبيت القطامي بلا تعيين للناقد في الجليس الصالح (3/282)، وديوان المعاني (2/118-119)، وخبر عبدالملك بن مروان عن بيت كثير في تأريخ دمشق (50/103). وبيت القطامي في ديوانه (26)، وبيت كثير في ديوانه (97).



([9]) عيار الشعر (142).



([10]) ديوان المعاني (2/119).



([11]) عجز بيت من القصيدة اليتيمة : ضِدّان لَما استَجمعا حَسُنا. ينسب إلى علي بن جبلة (العكوك) في ديوانه (116)، وإلى أبي الشيص الخزاعي في أشعاره (138) وإلى غيرهما.



([12]) عجز بيت للمتنبي، صدره : ونَذيمُهُم وبهم عرفنا فضلَهُ. ينظر التبيان (1/22).



([13]) ينظر على سبيل المثال: ديوانه (1/357)، و(2/481)، و (3/1043)، و (3/1063).



([14]) عبقرية ابن الرومي (156)، و(193). وينظر في تدينه : ابن الرومي حياته من شعره (228) وقد فرق العقاد بين الإيمان في شعر ابن الرومي وبين أداء الفرائض الدينية.



([15]) ينظر في تشاؤمه : ابن الرومي حياته من شعره (206)، وعبقرية ابن الرومي (192)، وابن الرومي في الصورة والوجود (97).



([16]) ينظر : أبو الحسن التهامي حياته وشعره (74)، و(81).



([17]) للاستزادة ينظر: مطلع القصيدة العربية ودلالته النفسية، وكتب د.حسين عطوان عن مقدمة القصيدة في الشعر الجاهلي والشعر الأموي والشعر العباسي، وقد خصص في كتابه «مقدمة القصيدة العربية في العصر العباسي الثاني» الفصل الثالث (149-210) لمقدمات ابن الرومي؛ لكنه لم يتناول قصائد الرثاء فيها.



([18]) مطلع القصيدة العربية ودلالته النفسية (14-15)، وينظر : بناء القصيدة العربية (203-212).



([19]) ديوانه (1/244)، وينظر ابن الرومي في الصورة والوجود (320).



([20]) ديوانه (6/2514).



([21]) هو د.علي علي صبح؛ تنظر مسوغاته في عبقرية ابن الرومي (148)، ويرى العقاد أنها الثانية وأن البائية هي آخر المراثي (97).



([22]) ديوانه (2/631-632).



([23]) رثاء الأبناء في الشعر العربي (126).



([24]) ينظر: رثاء الأبناء في الشعر العربي (39)، وأبو الحسن التهامي حياته وشعره (66) وعرض خبر ابن عساكر أنه طلب الخلافة.



([25]) شرح أشعار الهذليين (1/9-10).



([26]) مطلع القصيدة العربية ودلالته النفسية (162).



([27]) ديوانه (419) تحقيق الربيع، و (259) تحقيق الفريح.



([28]) يفهم من كلام د.محمد الربيع أن قصيدة «حكم المنية» هي الأولى ، والثانية «أبا الفضل» والثالثة «أتى الدهر» وهذا ترتيب القصائد في الديوان ألفبائيًا؛ ينظر أبو الحسن التهامي حياته وشعره (101)، و (121).



([29]) ديوانه (333) تحقيق الربيع، و (161) تحقيق الفريح وورد البيت الثالث فيه «والقمر والبدر» خطأ.



([30]) مطلع القصيدة العربية ودلالته النفسية (63).



([31]) أثر التشاؤم في شعر ابن الرومي (333).



([32]) ديوانه (6/2515).



([33]) ديوانه (338-339) تحقيق الربيع، و (165) تحقيق الفريح.



([34]) ينظر في اعتزال ابن الرومي: ابن الرومي حياته من شعره (201)، وعبقرية ابن الرومي (153).



([35]) ينظر: شرح الأصول الخمسة (780)، ومقالات الإسلاميين (256)، وفلسفة القدر في فكر المعتزلة (317).



([36]) الإيغال: «أن يستوفي الأديب معنى الكلام قبل أن يصل إلى مقطعه ، ثم يأتي بالمقطع فيزيد معنى آخر، يزيد به وضوحا وشرحا وتوكيدًا وحسنا» عن الصناعتين (380)، وينظر تحرير التحبير (232)، ونضرة الإغريض (131).



([37]) نسب د.مخيمر في رثاء الأبناء في الشعر العربي (116) إلى إيلياء الحاوي أنه يرجع معنى البيت إلى ضعف إيمان ابن الرومي، وأحال إلى كتاب الحاوي: ابن الرومي فنه ونفسيته من خلال شعره (548). ولم أقف على كلام الحاوي في كتابه لا سيما أن رقم الإحالة خطأ؛ وفصل الرثاء في طبعة 1959م من (201-226) ويقف الكتاب عند صفحة (397). وفي طبعة 1968م يبدأ الرثاء من (241-268) ويقف الكتاب عند (359).



([38]) ينظر : عبقرية ابن الرومي (198) عن معاهد التنصيص (2/118).



([39]) ينظر : عبقرية ابن الرومي (197) عن زهر الآداب (5/408).



([40]) ديوانه (334) تحقيق الربيع، و (161) تحقيق الفريح وفيه: «فواللهِ».



([41]) وفيات الأعيان (3/381)، والوافي بالوفيات (22/75).



([42]) ديوانه (334) تحقيق الربيع، و (161) تحقيق الفريح.



([43]) ابن الرومي حياته من شعره (97).



([44]) هذا الترتيب في المراثي هو ما رجحه العقاد؛ ينظر: ابن الرومي حياته من شعره (97)، وهو ما أميل إليه، ويرى د.علي علي صبح خلاف ذلك؛ ينظر رأيه في صفحة (11)، الحاشية (1).



([45]) ابن الرومي حياته من شعره (97).



([46]) ديوانه (2/624-627).



([47]) ديوانه (308-317) تحقيق الربيع، و (155-160) تحقيق الفريح، وبينهما اختلاف كبير في ترتيب الأبيات والروايات، وقد اعتمدت ترتيب طبعة الربيع، واخترت أجود الروايات في بعض الألفاظ، وليس هذا موضع تحقيق روايات القصيدة.



([48]) ديوانه (138) تحقيق الربيع وفيه «المقدار» وذكر أن بعض النسخ فيها «الأقذار» وهي في نظري تصحيف لـ«الأقدار» وهي أجود رواية، وكذا أثبتها الفريح (155).

| عدد القراء : 1812 | تأريخ النشر : الأربعاء 23 شوال 1389هـ الموافق 31 ديسمبر 1969مسيحية
طبعت هذه المقالة من ( أوابد :: مدونة عبد الرحمن بن ناصر السعيد )
على الرابط التالي
http://www.awbd.net/article.php?a=76
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع