المتدرعون بالصحافة السعودية

آراء ذكر ابن المعتز في «طبقات الشعراء» أن لأبي حية النميري سيفًا يسميه «لعاب المنية». وكانت المغرفة أقطع منه!، فدخل بيته كلب ليلة من الليالي من حيث لا يدري به، فلما حسّه في البيت توهمه لصًا، فقام في البيت وخطب فيه مهددًا بعبارات فتاكة، متدرعًا بسيفه وبقبيلته قيس، فما زال ذلك دأبه وهو يخاف أن يدخل، وإذا به قد خرج عليه كلب يبصبص فقال له أبو حية: الحمد لله الذي مسخك كلبًا، وكفاني منك حربًا! ثم قعد لا يدخل البيت، فقيل له: ما لك لا تدخل؟ فقال: لعل اللص في البيت وهذا كلبه قد خرج!



أمثال أبي حية النميري في الصحافة السعودية – وإن شئت فسمِّ بعضها السخافة- كثيرون، تقرأ كتاباتهم وهم يبرقون ويرعدون، يصفون منتقديهم بصفات هم أحق من تنطبق عليه تلك الصفات.



لا يستطيعون المواجهة مع المختلفين معهم، شعارهم : أكتبُ ومن انتقدني فهو من الفئة الضالة.



كانوا في السابق - وقد أُعْطوا المواثيق – يتوهمون أنهم ينعمون بعدم سماع صوت الآخرين، فلا صوت إلا صوتهم.



لو أن الأمر بيدهم لأعدموا الشبكة العنكبوتية؛ ولعلهم يرددون :«من أين خرجت لنا هذه البلوى».



وإذا نشر رد على أحدهم في الشبكة العنكبوتية سلّ «لعاب المنية»، وأدار ظهره متدرعًا بالصحافة، وشمر عن ساعديه، وخلل لسانه بين أضراسه، واستدارت عيناه نحو أنفه ثم باض بيضة الديك بمقال على حد العنوان «سبق صحفي: بطيخة على شكل بطيخة»، ثم جمع قواه ورمى بالمقال أمام الحصن، وركض بعيدًا داخله، وهو يردد للآخرين : من كانت فيه الشجاعة فليبارز!



لقد تبجّح أحد المتدرّعين بصحيفته التي يكتب فيها، مفتخرًا بنفادها من الأسواق، ويتبرطم إذا انتُقدت صحيفته؛ لأن تلك الصحيفة قلعة «طروادة» له؛ فإنْ وصل رد مهترئ نشروه، وإن كان مترابط الأجزاء محكمًا صرخ محررها صرخة إبليس -لما سمع كلام عبد الله بن هلال الكوفي- : مرددًا «الإقصائيون...نبذ الآخر...الظلاميون» وهو يفكك أجزاء المقال، ويشطب بالقلم على سطوره، ويُخلخل محكمه ليظهر بصورة ممزقة؛ لأنه وصاحبه يحق لهما ممارسة الوصاية على ردود الآخرين.



وإذا ناف المقال على فهمه اتصل على المتبجّح ليريه المقال، ويأخذ رأيه في الطريقة المناسبة لممارسة «التعددية»، و«تقبل الآخر».



وإحداهن ممن كبرت سنًا وصغرت فهمًا تتدرع برئيس التحرير فتهاجم شخصًا بعينه مستخدمة ما أوتيت من قلة عقل؛ لأن رئيس التحرير قد ضمن لها نشر ما يصدر، وتمزيق ما يَرِدُ، فاتخذت من ذلك لَأْمَةً لتفريغ ما وغر في صدرها، ومَن حولها يصفق : لقد ألجمتيه كما ألجم الأشعريُّ الجبائيَّ!



وآخر ممن عانى التضاد، وانتقل من زاوية التطرف إلى الزاوية المقابلة، يصف رئيس تحرير إحدى الصحف بصفات جليلة؛ لأن رئيس التحرير كان حصنًا منيعًا له من نشر الردود عليه، وكان متفهمًا للمبدأ الحر : «الكلمة أعلى من المصلحة».



يعلم هؤلاء يقينًا أنهم لو تخلوا عن حصن «الإقصائية» لتعروا، وانقلب «لعاب المنية» إلى «دموع الدنية» وبانت للآخرين سوءتهم الفكرية؛ لأن المحاجة المواجِهة تكشف لك من يمكنه مواصلة الحوار ممن يجيد فن التهرب، ومن يمكنه الثبات دون حصن يتدرع به، أو محرر يجامله فيقضم مواطن القوة في الردود، أو رئيس تحرير يقول له : لا عليك، مقالات المخالفين لأفكارك تلتهمها فرّامة الأوراق!



لقد ذكر أحدُ فسّاقهم مما يُعنى بالإعلام – فصدق وهو كذوب - أن احتكار الصحافة التقليدية قد تبدد، وأن وسائل الإعلام الجديدة كالشبكة العنكبوتية أصبحت مصدرًا للخبر والمعلومة أكثر من الوسائل التقليدية.



أقول للمتدرعين :

جاء شقيق عارضًا رمحه = إن بني عمك فيهم رماح
| عدد القراء : 3988 | تأريخ النشر : الخميس 1 رمضان 1425هـ الموافق 14 أكتوبر 2004مسيحية
طبعت هذه المقالة من ( أوابد :: مدونة عبد الرحمن بن ناصر السعيد )
على الرابط التالي
http://www.awbd.net/article.php?a=24
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع