وفاء الرشيد النائحة المستأجرة

آراء «ليست النائحة الثكلى كالمستأجرة».



هذا من الأمثال العربية؛ وذلك أن من عادة بعض العرب استدعاء امرأة في المآتم لكي تهيج المفجوعات، كما قال مالك بن الريب :





فمنهن أمي وابنتاها وخالتي = وباكية أخرى تهيج البواكيا





والبكاء المزيف صنعة نسائية عريقة، تجنح إليه المرأة الضعيفة أو المحجوجة كي تحصل على حاجاتها؛ ولهذا اتفقت كثير من شعوب العالم على وصف النساء بهذه الخصلة كما في المثل الروسي :«في دموع المرأة لا يرى الحكيم سوى الماء»، وكما في المثل الإنجليزي :«لا شيء يجف بسرعة أكثر من دموع المرأة».



وقيل عن دموع المرأة الكاذبة «دموع التماسيح» لأن التمساح كاذب في دمعه، ودمعه ليس من أثر حزن، بل هو نتاج طبيعي عند قضمه لفريسته بفكيه وضغطه عليه، فتظهر دموعه.



وهذه حالة وفاء الرشيد لما أعوزتها الحجة، وسُقط في يديها فلجأت إلى الحل السريع «دموع التماسيح» باستدرار عواطف الآخرين، ونجحت في ذلك وظهرت الأصوات التي تقول إن دمعها غالٍ، ويجب الانتقام من العريفي وأنه متطرف، وتأججت الصحافة السعودية النزيهة المحايدة كأنها المعتصم وكأن دمع وفاء صوت زبطري!



كنت أتعجب من آراء أفلاطون في «جمهوريته» حين ذكر أن البكاء لا يليق بالرجال، ويجب أن يترك للنساء؛ لكن ليس للكريمات منهن –أيضًا- ولجبناء الرجال حتى يشب أولئك الذين نربيهم من أجل حراسة وطنهم على احتقار مثل هذا الضعف والخور.[الجمهورية (259) ترجمة فؤاد زكريا، و(128) ترجمة حنا خباز].



لأن ظهور صناع القرار والمثقفين بهذه الصورة يجعل النشء متقبلا للضعف والتعبير عنه بالبكاء، وهذا ما لا يجوز في مدينة تريد قوتها.



لقد طبق العريفي المفصل في طرحه، ولهذا ثارت بينه وبين خصومه نائرة، وطالبوا بإلغاء ما وصفوه بالأحادية، وإن تعجب فعجب من كثرة زبد أفواههم من تكرار «الإقصائية» وهم يمارسونها ليل نهار على غيرهم.



لقد تحدث العريفي عن المعلمات المتبرجات اللاتي يقدمن القدوة السيئة للطالبات، فتأجج غضب القوم، وانطبق عليهم المثل : «كاد المريب أن يقول خذوني».



الذي ارتضى الله ربًا، والإسلام دينًا، ومحمدًا –صلى الله عليه وسلم- نبيًا لا يقر التبرج والسفور، ولا يرضى أن تكون معلمة متبرجة أخذت فكرها من الغرب قدوة لبناته، فما الخلل؟



لقد شعر مَن في قلبه مرض أن الكلام موجه إليه، ولهذا لا ترى الملتزمين بكتاب الله وسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- قد غضبوا، بل غضب من يوصفون بـ«الليبرالية» لأن التبرج والسفور يمس أساسهم المقدس فيجب أن يغضبوا له، كما أن المسلم الحق يغضب حين تمس أسس الإسلام.



وحين تحدث العريفي عن قضية مظاهرات النساء ذكر أنهن عوملن معاملة حسنة لم يلقها الرجال ولا غيرهم.



فمن المعروف أن المظاهرة وسيلة للتعبير عن آراء الجمهور، وهي وسيلة مقبولة لدى كثير من حكومات العالم، ومرفوضة لدى كثير منها –أيضًا-.



وحكومة المملكة العربية السعودية لا ترغب في المظاهرات، وترفضها، وجعلت وسائل أخرى لإيصال المطالبات والاقتراحات عن طريق إمارات المناطق، أو الرفع إلى ديوان الرئاسة، أو إلى ولي الأمر مباشرة.



فأولئك النسوة قد خالفن نظام الدولة، ومعلوم في تلك الحين أن مخالفة الدولة ليس بالأمر الهين. فهذه جزئية أولى.



وتوقيت تلك المظاهرة كان في وقت عصيب؛ وهو أزمة الخليج حين احتل صدام الكويت؛ لقد كانت الدولة في وضع حرج جدا، والأمن يحتاج إلى ضبط، والخطب جليل، وكانت جل اهتمام الدولة بقضية الحرب.



فاستغلت أولئك النسوة هذا الحدث، وأردن الضغط على الدولة في وقت حرج جدا، فاخترن أسوأ الأوقات ظنًا منهن أنه سينفعهن.



وهذه جزئية ثانية.



فإذا جمعت الجزئيتين : رفض الدولة للمظاهرة، والوقت الحرج الذي تمر به، ثم رأيت طريقة المعاملة علمت أن الدولة تعاملت معهن بحكمة ولين ولم تتعامل معهن بما يتطلبه الوضع الأمني.



وقارن بين أولئك النسوة وما صدر في حقهن، وبين مظاهرات حقوق الإنسان في حي العليا.



ولأن المثرثرين بـ«الإقصائية»، والنابحين بـ«الحرية» لا يستطيعون درء ما فعل أولئك النسوة، لجؤوا إلى قلب مفهوم كلام العريفي وأنه يطالب بإنزال العقوبة عليهن، بالرغم من أن العريفي أشار إلى التأريخ وليس إلى القضاء؛ فذكر أنهن لم يعاقبن، وكلامه صحيح، فالرد على العريفي يكون بتكذيب الخبر لا بتحوير معناه.



فالمعترض على العريفي عليه أن يحدد موقفه :



1) هل كانت تلك المظاهرة سليمة من حيث الطريقة، والوقت فيما يتعلق بوضع المملكة العربية السعودية؟



2) هل تعامل الحكومة مع الحدث كان فوق ما يُتوقع، أو موازيا لما يُتوقع، أو دون ما يُتوقع؟



3) لو تظاهر غيرهن كمن يظاهر ضد الحرب على العراق، أو من يظاهر ضد شيء معين، فهل سيكون نصيبه من التعامل مثل ما حصل لهن؟



إن ذلك الحدث يندرج ضمن الأمور العامة، وتعامل ولي الأمر معهن بما يراه يحقق المصلحة، فلهذا يصدق أنهن أخذن أكثر من حقهن في هذه الحادثة.



ونتيجة للدموع هدد من هدد بالانسحاب، ولا أعلم كيف سيكون وضع وفاء لو تحدث شخص عنها في مقر الأمم المتحدة ثم ضجت بالبكاء! لأنه لن ينسحب كوكا كولا، ولا ببسي، ولا أرسي ولا المشروبات الغازية كلها.



إذا تمثلت لي حالة وفاء الرشيد تذكرت مقولة الشاعر:





وَأَترُكُ كُلَّ نائِحَةٍ تُنادي = عَلَيهِم بِالتَفَرُّقِ وَالشَتاتِ





أيها النساء، لا حاجة للبكاء فعندكم وفاء! | عدد القراء : 10044 | تأريخ النشر : الأحد 3 جمادى الأولى 1425هـ الموافق 20 يونيو 2004مسيحية
طبعت هذه المقالة من ( أوابد :: مدونة عبد الرحمن بن ناصر السعيد )
على الرابط التالي
http://www.awbd.net/article.php?a=22
+ تكبير الخط | + تصغير الخط
اطبع