قصة مثل

أبغضني ولا تحبني

آراءيقول المثقِّب العَبْدِيّ من قصيدة طويلة في «المفضليات» :



فإِمّا أنْ تكونَ أخي بحقٍّ = فأعرفَ مِنكَ غَثِّي أو سَمِينِي

وإلاَّ فاطَّرِحْنِي واتَّخِذْنِي = عَدُوًّا أَتَّقِيكَ وتَتَّقِينِي



المقتنع بهذا السلوك يصير كثير من الخلق أعداء له يتقيهم ويتقونه؛ فنحن في زمن عشق الناس فيه النفاق الاجتماعي، وعليك أن تكون مصدِّقًا لما يقولون مطرحًا الصدق جانبًا فليس الصديق –عند جمع منهم- مَن صَدَقَك بل مَن صَدَّقك.



فالعيب ليس أن تكون ذا وجه واحد، بل أن تكون ذا وجهين؛ إذ ينبغي لك أن تكون ذا وجوه تلبس لكل حالة وجهًا.



تراهم في المجالس إذا دخل أحدهم يعلون «مرحبًا» وإذا ولى صاحبهم سلقوه بألسنة حداد، استمرؤوا هذا النمط السلوكي ثم ينتقدونه وهم متلبسون به، لا يستحون من طول ما لا يستحون.



وفيهم من يرفع شعارات عمادها مادة دينية أو وطنية أو غيرة ذاتية، يبتغي بها مالاً أو جاهًا، ومنتهى التطبيق عنده اللفظ والمعنى في البطن، وإياك وذكر التطبيق بل أبدل القاف لامًا؛ فإن صارحته بأن رفعه للشعار مزيف انتفخت أوداجه ونظر إليك نظر المنكر؛ لأن رفع الشعار عنده كافٍ ليحظى بالإطراء.



ثم يتبعه من يؤيد هذه الشعارات وهو أبعد الناس عن تطبيقها؛ لكنه يعلم أن الجمهور لا يريدون رأيه الصريح المدعم بالتطبيق؛ إذ يكفي أن تكون مخادعًا لتحظى برضاهم، فيعطيهم ما يريدون من الكلام المنمق ويردون بمثله كلامًا منمقًا محتجين بقول الشاعر : إن الكريم إذا خادعته انخدعا.



وأما من صارحهم برأيه فيهم أو برأي يخالف هذه الشعارات فإنه قد أوجب استعداءهم عليه.



ولو تأملت الحالين لعلمت أن الاثنين متفقان في التطبيق لكنهما مختلفان في المصارحة به؛ فأما الأول فارتضى لنفسه أن يخادع غيره بشيء غير مقتنع به؛ فهو مخادع في اللفظ صريح مخالف في التطبيق؛ لأن ما يطلبه المتلقي لا يتجاوز الكلمات فاستحق بذلك رضاهم، وأما الآخر فارتضى لنفسه أن يكون صريحًا لفظًا ومعنى فاستحق بذلك سخطهم.



جمعني مجلس مع أحد الأصحاب فأتى ذكر فلان فعدد صاحبي مثالب ذلك الرجل، وبعد عدة أيام كنّا في مجلس آخر ، فذُكِر أن فلانًا هذا قد رقي إلى مرتبة عليا، فاتصل عليه صاحبي يهنئه ويعدد فضائله المزعومة وصفاته الجليلة، فلما أغلق الهاتف رأي الشرر في عيني فقال : مَهْ، أنت المخطئ؛ فالناس لا يريدون الصريح، بل اكذب عليهم ويكذبون عليك!



فقلت : كما قال سراقة البارقي:



أُرِي عَينَيَّ ما لم تَرْأَيَاهُ = كِلانا عَالِمٌ بالتُّرَّهَاتِ





تفكرتُ في حال الناس فرأيتُ أنّ كثيرًا منهم يؤثر المخادعة على المصارحة؛ فبشاشتك في وجهه ثم طعنك إياه بكلام خلف ظهره أحب إليه من أن تكون ذا وجه واحد تصارحه بما في صدرك.



وحجتهم في ذلك كله أن المصارحة ليست من الخلق المهذب؛ إذ تفيض إلى البغضاء، وأن العقل يوجب عليك مسايرة الناس فيما يريدون.



ولست أزعم - رعاك الله - أني بمنأى عن المعاريض أو المجاملة؛ فالأمر كما قال زهير:



ومَن لا يُصانِع في أُمورٍ كَثيرةٍ = يُضَرَّسْ بأَنيابٍ ويُوطَأ بِمَنسِمِ





لأن من الناس من وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله «إن مِن شر الناس مَن اتقاه الناس لشره»؛ لكنني أنظر إلى من أمامي؛ فإن كان شره مستطيرًا لا أقدر دفعه لم أعظّم شأنه بل أجتزئ بالقدر الذي يكفيني شره، وإن كان غير ذلك صارحته بشعوري نحوه غير مكترث بموقفه مني، فإني أوثر أن أكون صريحًا ذا وجه واحد مكروهًا من قبل بعضهم أحب إلي من أن أكون مخادعًا ذا وجوه متعددة محبوبًا ظاهرًا وفي الصدر حزّاز من الشك حامز.



لي صاحب عزيز من أعجب الناس متى ير فرصة ينتهزها إيمانًا بقول علي ابن أبي طالب –رضي الله عنه- :«اغتنموا هذه الفرص فإنها تمر مر السحاب»، قادر على قلب أعتى العداة إلى معسكره، يرى أن هذا الزمن زمن أقنعة ليس فيه للحقيقة مكان، قال لي : أنت أستاذ في اكتساب العدوات!



فأجبته : كما أنك أستاذ في النفاق الاجتماعي!



وحالنا كما قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي:



نَحنُ بِما عِندِنا وَأَنتَ بِما = عِندَكَ راضٍ وَالرَأيُ مُختَلِفُ





وأما أنت -أيها القارئ- فاختر لنفسك أي النهجين أحب إليك مع الآخرين؛ أما معي:



فإِمّا أنْ تكونَ أخي بحقٍّ = فأعرفَ مِنكَ غَثِّي أو سَمِينِي

وإلاَّ فاطَّرِحْنِي واتَّخِذْنِي = عَدُوًّا أَتَّقِيكَ وتَتَّقِينِي





2/ 2 / 1428هـ

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

عدد التعليقات : 2 | عدد القراء : 5503 | تأريخ النشر : الاثنين 3 صفر 1428هـ الموافق 19 فبراير 2007م

_PDF_FORأبغضني ولا تحبنياضغط على الصورة للحصول على المقال بصيغة PDF

طباعة المقال

إرسال المقالة
أبغضني ولا تحبني يقول المثقب العبدي من قصيدة طويلة في «المفضليات» : فإما أن تكون أخي بحق = فأعرف منك غثي أو سميني وإلا فاطرحني واتخذني = عدوا أتقيك وتتقيني doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="1,red" star="***,green" style="display:none"',1) المقتنع بهذا السلوك يصير كثير من الخلق أعداء له يتقيهم ويتقونه؛ فنحن في زمن عشق الناس فيه النفاق الاجتماعي، وعليك أن تكون مصدقا لما يقولون مطرحا الصدق جانبا فليس الصديق –عند جمع منهم- من صدقك بل من صدقك. فالعيب ليس أن تكون ذا وجه واحد، بل أن تكون ذا وجهين؛ إذ ينبغي لك أن تكون ذا وجوه تلبس لكل حالة وجها. تراهم في المجالس إذا دخل أحدهم يعلون «مرحبا» وإذا ولى صاحبهم سلقوه بألسنة حداد، استمرؤوا هذا النمط السلوكي ثم ينتقدونه وهم متلبسون به، لا يستحون من طول ما لا يستحون. وفيهم من يرفع شعارات عمادها مادة دينية أو وطنية أو غيرة ذاتية، يبتغي بها مالا أو جاها، ومنتهى التطبيق عنده اللفظ والمعنى في البطن، وإياك وذكر التطبيق بل أبدل القاف لاما؛ فإن صارحته بأن رفعه للشعار مزيف انتفخت أوداجه ونظر إليك نظر المنكر؛ لأن رفع الشعار عنده كاف ليحظى بالإطراء. ثم يتبعه من يؤيد هذه الشعارات وهو أبعد الناس عن تطبيقها؛ لكنه يعلم أن الجمهور لا يريدون رأيه الصريح المدعم بالتطبيق؛ إذ يكفي أن تكون مخادعا لتحظى برضاهم، فيعطيهم ما يريدون من الكلام المنمق ويردون بمثله كلاما منمقا محتجين بقول الشاعر : إن الكريم إذا خادعته انخدعا. وأما من صارحهم برأيه فيهم أو برأي يخالف هذه الشعارات فإنه قد أوجب استعداءهم عليه. ولو تأملت الحالين لعلمت أن الاثنين متفقان في التطبيق لكنهما مختلفان في المصارحة به؛ فأما الأول فارتضى لنفسه أن يخادع غيره بشيء غير مقتنع به؛ فهو مخادع في اللفظ صريح مخالف في التطبيق؛ لأن ما يطلبه المتلقي لا يتجاوز الكلمات فاستحق بذلك رضاهم، وأما الآخر فارتضى لنفسه أن يكون صريحا لفظا ومعنى فاستحق بذلك سخطهم. جمعني مجلس مع أحد الأصحاب فأتى ذكر فلان فعدد صاحبي مثالب ذلك الرجل، وبعد عدة أيام كنا في مجلس آخر ، فذكر أن فلانا هذا قد رقي إلى مرتبة عليا، فاتصل عليه صاحبي يهنئه ويعدد فضائله المزعومة وصفاته الجليلة، فلما أغلق الهاتف رأي الشرر في عيني فقال : مه، أنت المخطئ؛ فالناس لا يريدون الصريح، بل اكذب عليهم ويكذبون عليك! فقلت : كما قال سراقة البارقي: أري عيني ما لم ترأياه = كلانا عالم بالترهات doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="0,red" star="***,green" style="display:none"',2) تفكرت في حال الناس فرأيت أن كثيرا منهم يؤثر المخادعة على المصارحة؛ فبشاشتك في وجهه ثم طعنك إياه بكلام خلف ظهره أحب إليه من أن تكون ذا وجه واحد تصارحه بما في صدرك. وحجتهم في ذلك كله أن المصارحة ليست من الخلق المهذب؛ إذ تفيض إلى البغضاء، وأن العقل يوجب عليك مسايرة الناس فيما يريدون. ولست أزعم - رعاك الله - أني بمنأى عن المعاريض أو المجاملة؛ فالأمر كما قال زهير: ومن لا يصانع في أمور كثيرة = يضرس بأنياب ويوطأ بمنسم doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="0,red" star="***,green" style="display:none"',3) لأن من الناس من وصفهم النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله «إن من شر الناس من اتقاه الناس لشره»؛ لكنني أنظر إلى من أمامي؛ فإن كان شره مستطيرا لا أقدر دفعه لم أعظم شأنه بل أجتزئ بالقدر الذي يكفيني شره، وإن كان غير ذلك صارحته بشعوري نحوه غير مكترث بموقفه مني، فإني أوثر أن أكون صريحا ذا وجه واحد مكروها من قبل بعضهم أحب إلي من أن أكون مخادعا ذا وجوه متعددة محبوبا ظاهرا وفي الصدر حزاز من الشك حامز. لي صاحب عزيز من أعجب الناس متى ير فرصة ينتهزها إيمانا بقول علي ابن أبي طالب –رضي الله عنه- :«اغتنموا هذه الفرص فإنها تمر مر السحاب»، قادر على قلب أعتى العداة إلى معسكره، يرى أن هذا الزمن زمن أقنعة ليس فيه للحقيقة مكان، قال لي : أنت أستاذ في اكتساب العدوات! فأجبته : كما أنك أستاذ في النفاق الاجتماعي! وحالنا كما قال عمرو بن امرئ القيس الخزرجي: نحن بما عندنا وأنت بما = عندك راض والرأي مختلف doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="0,red" star="***,green" style="display:none"',4) وأما أنت -أيها القارئ- فاختر لنفسك أي النهجين أحب إليك مع الآخرين؛ أما معي: فإما أن تكون أخي بحق = فأعرف منك غثي أو سميني وإلا فاطرحني واتخذني = عدوا أتقيك وتتقيني doPoem(0,'font="Arial,1em,black,bold,normal" bkcolor="" bkimage="" border="double,3,green" type=0 line=1 align=center use=sp num="1,red" star="***,green" style="display:none"',5) 2/ 2 / 1428هـ
(1) - عنوان التعليق : بلا عنوان

تأريخ النشر: الخميس 22 جمادى الأولى 1428هـ الموافق 7 يونيو 2007مسيحية

نص التعليق
كلام جميل وقد وصلت الى قناعة بانه يصعب على غير منافق ان يصل الى منصب مرموغ عندنا. وانا أقرأ حديثك تذكرت ما سمعته من حديث بين الشيخ الالباني واحد أئمة المساجد في الاردن. حيث سأل إمام المسجد الشيخ: ءأقول؟ -يعني هل أقول في الحكومة- فقال الشيخ انظر هل في مسجدك من يراقب فقال الامام, نعم المؤذن من المراقبين. فقال الشيخ الكلمة التي لا انساها: فلا أقل من ألّا تنافق.
وأكثر ما يحزنني هو مشاهدتي لشيخ يبالغ في المدح في مواقف هو ليس مجبرا فيها على ذلك وأحيانا بغير مناسبة. ولعل اسلم الحلول هو الصمت عما يجلب الاذى, او ذكر ما حق من المحاسن.
حقيقة رأيت أن نظامنا ارضا خصبة لتعلم النفاقق, والقناة الاولى عندنا مدرسة مفتوحة وعلى الهواء لتعلم ذلك.

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : بيت للمتنبي ، قد يسكت الهوجا ء !

تأريخ النشر: الأحد 9 جمادى الآخرة 1428هـ الموافق 24 يونيو 2007مسيحية

نص التعليق
يقول المتنبي ... بعد أن أضناه عداء الزمان ، والناس ...
ومرادُ النّفوس .. أعظم من أن
نتعادى فيه ، وأن نتفانى !
فلا تُعادي .. ولاتتعادى .. ولاتتفانى ...
واجنح للسلم أيها الأخ .. « السعيد _ ان شاء الله _ في أخراه ودنياه » ؟
فالدنيا لاتستحق أن نتدنّى .. فيها ،خصاماً..وضراماً ..ومراد النفوس لو صُرف في غير ذلك ..
ولاتكتب شيئا ... غير مايسرّك غدا
والعاقل من استبرأ ، لدينه ، وخلقه
كنت أول عثوري على المدونة ...ظننتها راقية الحوار ... ولكن يبدو أنها ...وفي معظم الآراء قد اتخذت للعنف سبيلا ً !
ولا أنكر ..أن هناك فيها من الصواب .. ولكن لو عرض بأسلوب ألطف ...ربما كان أجمل ، وفي النفوس أدخل..« فما دخل الرفق في شيء الا زانه ، وما نزع منه الا شانه » .
لا أود الاساءة ... ومعذرة لو جرحت .. وأسأت .. ان أردت الا النصح ..
وفق الله الجميع ، والسلام .

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع