قصة مثل

الحوار الوطني وتحديد المفهومات

آراءتباينت الآراء حول جدوى سرية الحوار الوطني وعدم نشره؛ وقد يرجع هذا إلى أن القائمين عليه لا زالوا حديثي عهد بهذه النقلة الفكرية، ويخشون أن توصف بالفشل لو نُقِلت المحاورات؛ لكن الفشل ليس عيبًا؛ لأن بني آدم يفشلون ثم ينجحون، وينجحون ثم يفشلون.



والفشل يقود في الغالب إلى النجاح؛ ومن ذلك أن سيبويه رحمه الله كان أول أمره طالبًا للحديث، فلحن في حديث عند حماد بن سلمة –رحمه الله- فضحك منه الحاضرون، فكان هذا حافزًا له من أجل تعلم النحو حتى برع فيه وصار من أعظم رموزه.



وإلى الذين تغلي قلوبهم غيظا من الاستشهاد بالتراث ولا يعترفون إلا بالمثال الغربي فإني أضرب لهم مثلا بتومس أديسون المخترع المشهور؛ حيث أخرجته أمه من المدرسة بعد أن كاد معلمه يفقد أعصابه منه!



www.thomasedison.com/biog.htm



والحوار فائدته الكبرى للشعب وليس للمتحاورين؛ لأن كثيرًا من الشعب يتبع طبقات فكرية ينتمي إليها هؤلاء المحاورون، فمن حقهم أن يروا كيف يفكر أقطابهم، وكيف يتحاورون مع الآخرين.



وهب أنه حصل في المؤتمر تجاوزات، فهل هي أولى التجاوزات أو آخرها في هذا المجتمع؟!



الخلاف حاصل سواء أكان الانعقاد سريّا أم علانية، فلأن تعلن خير من أن تنتشر بطرق أخرى، ثم ما المحظور الشرعي في نقل الأحداث مباشرة؟



من أجل هذا صار كثير من أفراد المجتمع يتلهف للحصول على معلومات حول وقائع المؤتمر، وحصل خلاف ما أراده القائمون على المؤتمر؛ حيث كثرت الإشاعات، وتسربت بعض المناقشات، وصرنا كأننا نبحث عن هروين أو أفيون!



ولا شك أن المؤتمر جمع أطيافًا متضادة، وهذا شيء جيد؛ لأنه لا فائدة من الحوار بين المتفقين أو بين اتجاه واحد؛ لأنه ينقلب من حوار إلى كيل بالمدح للآخر.



ولأن الأعضاء المشاركين من أطياف متعددة فإن المؤتمر سيقع – أو قد وقع فعلا – في مأزق؛ لأن هذه الأطياف تختلف مشاربها الفكرية، ونتيجة لهذا تختلف النتائج لاختلاف الأصول.



فمثلا المحور الأول وهو ( الغلو ... ) سيناقشه كل من :

1 – السني

2 – الشيعي

3 – اللبرالي

4 – العلماني

5 – الغالي ( هذا أصلا مستبعد من الحوار؛ وهنا المشكلة!)



كل هؤلاء يتفقون على نبذ ( الغلو ) لأن لفظة ( الغلو ) مستقبحة فلا يمكن أن يدافع عنها أحد. ومثلها : ( الحرية )، و( احترام الآخر )، و( التمسك بالثوابت )، و( الوطنية )، فهذه الشعارات يتفق عليها المحاورون؛ وإنما يختلفون في الماهية لا الشعار.



ولهذا وجب أن يكون هناك أصل يرجع إليه لتحديد مفهوم الوسط الذي عن طريقه يحدد مفهوما الإفراط والتفريط.



فمثلا في الثقل والخفة نحتاج إلى ميزان؛ لتحديد وزن المختلف عليه، ثم إننا بعد هذا نحتاج إلى ضابط للثقل والخفة فما كان وزنه كذا صار ثقيلاً، وما كان كذا صار خفيفًا؛ لكي يحصل الاتفاق؛ لأنه مع الاتفاق على ميزان سيحصل خلاف حول مفهوم الثقل والخفة، فشخص يرى أن عشرين كِيلاً ثقيل والآخر يراه خفيفًا، فخلافهم ليس في الميزان بل في مفهوم الثقل والخفة. ولكي يصلا إلى نتيجة لا بد من تحديد ضابط فيقال : ما زاد على ثلاثين كيلاً فهو ثقيل، وما نقص عنه فهو خفيف. وهذه الضوابط مطبقة في كثير من شؤون الحياة كالقبول في الجامعات، والكليات العسكرية في تحديد الطول والوزن والنظر.



لو طبقنا المثال السابق على المؤتمر الوطني؛ لوجدنا أن الميزان مفقود! فالسني ميزانه الكتاب والسنة، والشيعي ميزانه مرويات آل البيت، واللبرالي ميزانه شعار ( الحرية الشخصية)، والعلماني ميزانه : ( لا دين في السلطة ).



ولأن لكل طيف ميزانه فإنه سيزن قضية الغلو بهذا الميزان، والنتيجة مبنية عليه، وفي الأخير ليس هناك اتفاق؛ لعدم تحديد المرجع الذي يعتمد عليه.



ثم لو اتفقت الأطياف على ميزان موحد مثل ( الكتاب والسنة ) الذي هو دستور الدولة التي تنتمي إليها الأطياف المشاركة، فإننا بعد هذا نحتاج إلى ضابط لمفهوم الغلو؛ لأن كل طيف سيفسر الغلو كما يشاء.

فهناك عدة احتمالات :



فمثلا شاب، ملتحٍ، لا يسمع الأغاني، وليست لها علاقات غرامية مع فتيات، مسالم سلم المسلمون من لسانه ويده، يحب الله ورسوله، ويكره الكفار ولا يعتدي عليهم، ويرى أن الحرية الشخصية منضبطة بحدود الله، ينتقد الدولة في الأخطاء؛ لكن لا يرى الخروج ويعظم دماء المسلمين، يكره من يكفر الصحابة ومن يعبد القبور.



هذا الأنموذج ستختلف فيها وجهات النظر حول الغلو : فالسني في أحد أطيافه سيراه معتدلا؛ لأنه لا يخالف الأصول التي يرجع إليها. والآخر سيراه من الخوارج لأنه ( ينتقد الدولة في الأخطاء ) ولم يكمل ، فهذه كفيلة عنده لأن تخرج الشاب من السنة إلى الخارجية!



والشيعي سيراه غاليًا؛ لأن يرى أن وصف : ( يكره من يكفر الصحابة ومن يعبد القبور ) موجهة إليه، فلا يمكن أن يقبل بها.



واللبرالي سيراه غاليًا لأنه يرى هذا الشاب يحجر حدود الحرية الشخصية، واللبرالي لا حد للحدود الشخصية عنده!



والعلماني سيراه غاليًا : لأنه وسع دائرة الدين خارج نطاق المسجد.

وبتقليب فقرات أوصاف الشاب فإن نظرة الغلو ستختلف بين هذه الأطياف، كل طيف حسب ما يمس أصوله التي يرجع إليها.



إذن لا بد من وضع ضابط لمفهوم الوسط في الدين؛ لكي يقال : ما زاد عليه كان غاليًا وما نقص عنه كان مفرطا. ومفهوم الوسط لا بد أن يكون واضحا؛ فلا تكفي ( الإيمان بالثوابت ). بل تحتاج إلى تفصيل ممل.



هذا جدلا بأنهم سلّموا بميزان واحد فما بالك وميزانهم مختلف!!

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

ليست هناك تعليقات | عدد القراء : 3195 | تأريخ النشر : الخميس 15 ذو القعدة 1424هـ الموافق 8 يناير 2004م

طباعة المقال

إرسال المقالة
الحوار الوطني وتحديد المفهومات تباينت الآراء حول جدوى سرية الحوار الوطني وعدم نشره؛ وقد يرجع هذا إلى أن القائمين عليه لا زالوا حديثي عهد بهذه النقلة الفكرية، ويخشون أن توصف بالفشل لو نقلت المحاورات؛ لكن الفشل ليس عيبا؛ لأن بني آدم يفشلون ثم ينجحون، وينجحون ثم يفشلون. والفشل يقود في الغالب إلى النجاح؛ ومن ذلك أن سيبويه رحمه الله كان أول أمره طالبا للحديث، فلحن في حديث عند حماد بن سلمة –رحمه الله- فضحك منه الحاضرون، فكان هذا حافزا له من أجل تعلم النحو حتى برع فيه وصار من أعظم رموزه. وإلى الذين تغلي قلوبهم غيظا من الاستشهاد بالتراث ولا يعترفون إلا بالمثال الغربي فإني أضرب لهم مثلا بتومس أديسون المخترع المشهور؛ حيث أخرجته أمه من المدرسة بعد أن كاد معلمه يفقد أعصابه منه! www.thomasedison.com/biog.htm والحوار فائدته الكبرى للشعب وليس للمتحاورين؛ لأن كثيرا من الشعب يتبع طبقات فكرية ينتمي إليها هؤلاء المحاورون، فمن حقهم أن يروا كيف يفكر أقطابهم، وكيف يتحاورون مع الآخرين. وهب أنه حصل في المؤتمر تجاوزات، فهل هي أولى التجاوزات أو آخرها في هذا المجتمع؟! الخلاف حاصل سواء أكان الانعقاد سريا أم علانية، فلأن تعلن خير من أن تنتشر بطرق أخرى، ثم ما المحظور الشرعي في نقل الأحداث مباشرة؟ من أجل هذا صار كثير من أفراد المجتمع يتلهف للحصول على معلومات حول وقائع المؤتمر، وحصل خلاف ما أراده القائمون على المؤتمر؛ حيث كثرت الإشاعات، وتسربت بعض المناقشات، وصرنا كأننا نبحث عن هروين أو أفيون! ولا شك أن المؤتمر جمع أطيافا متضادة، وهذا شيء جيد؛ لأنه لا فائدة من الحوار بين المتفقين أو بين اتجاه واحد؛ لأنه ينقلب من حوار إلى كيل بالمدح للآخر. ولأن الأعضاء المشاركين من أطياف متعددة فإن المؤتمر سيقع – أو قد وقع فعلا – في مأزق؛ لأن هذه الأطياف تختلف مشاربها الفكرية، ونتيجة لهذا تختلف النتائج لاختلاف الأصول. فمثلا المحور الأول وهو ( الغلو ... ) سيناقشه كل من : 1 – السني 2 – الشيعي 3 – اللبرالي 4 – العلماني 5 – الغالي ( هذا أصلا مستبعد من الحوار؛ وهنا المشكلة!) كل هؤلاء يتفقون على نبذ ( الغلو ) لأن لفظة ( الغلو ) مستقبحة فلا يمكن أن يدافع عنها أحد. ومثلها : ( الحرية )، و( احترام الآخر )، و( التمسك بالثوابت )، و( الوطنية )، فهذه الشعارات يتفق عليها المحاورون؛ وإنما يختلفون في الماهية لا الشعار. ولهذا وجب أن يكون هناك أصل يرجع إليه لتحديد مفهوم الوسط الذي عن طريقه يحدد مفهوما الإفراط والتفريط. فمثلا في الثقل والخفة نحتاج إلى ميزان؛ لتحديد وزن المختلف عليه، ثم إننا بعد هذا نحتاج إلى ضابط للثقل والخفة فما كان وزنه كذا صار ثقيلا، وما كان كذا صار خفيفا؛ لكي يحصل الاتفاق؛ لأنه مع الاتفاق على ميزان سيحصل خلاف حول مفهوم الثقل والخفة، فشخص يرى أن عشرين كيلا ثقيل والآخر يراه خفيفا، فخلافهم ليس في الميزان بل في مفهوم الثقل والخفة. ولكي يصلا إلى نتيجة لا بد من تحديد ضابط فيقال : ما زاد على ثلاثين كيلا فهو ثقيل، وما نقص عنه فهو خفيف. وهذه الضوابط مطبقة في كثير من شؤون الحياة كالقبول في الجامعات، والكليات العسكرية في تحديد الطول والوزن والنظر. لو طبقنا المثال السابق على المؤتمر الوطني؛ لوجدنا أن الميزان مفقود! فالسني ميزانه الكتاب والسنة، والشيعي ميزانه مرويات آل البيت، واللبرالي ميزانه شعار ( الحرية الشخصية)، والعلماني ميزانه : ( لا دين في السلطة ). ولأن لكل طيف ميزانه فإنه سيزن قضية الغلو بهذا الميزان، والنتيجة مبنية عليه، وفي الأخير ليس هناك اتفاق؛ لعدم تحديد المرجع الذي يعتمد عليه. ثم لو اتفقت الأطياف على ميزان موحد مثل ( الكتاب والسنة ) الذي هو دستور الدولة التي تنتمي إليها الأطياف المشاركة، فإننا بعد هذا نحتاج إلى ضابط لمفهوم الغلو؛ لأن كل طيف سيفسر الغلو كما يشاء. فهناك عدة احتمالات : فمثلا شاب، ملتح، لا يسمع الأغاني، وليست لها علاقات غرامية مع فتيات، مسالم سلم المسلمون من لسانه ويده، يحب الله ورسوله، ويكره الكفار ولا يعتدي عليهم، ويرى أن الحرية الشخصية منضبطة بحدود الله، ينتقد الدولة في الأخطاء؛ لكن لا يرى الخروج ويعظم دماء المسلمين، يكره من يكفر الصحابة ومن يعبد القبور. هذا الأنموذج ستختلف فيها وجهات النظر حول الغلو : فالسني في أحد أطيافه سيراه معتدلا؛ لأنه لا يخالف الأصول التي يرجع إليها. والآخر سيراه من الخوارج لأنه ( ينتقد الدولة في الأخطاء ) ولم يكمل ، فهذه كفيلة عنده لأن تخرج الشاب من السنة إلى الخارجية! والشيعي سيراه غاليا؛ لأن يرى أن وصف : ( يكره من يكفر الصحابة ومن يعبد القبور ) موجهة إليه، فلا يمكن أن يقبل بها. واللبرالي سيراه غاليا لأنه يرى هذا الشاب يحجر حدود الحرية الشخصية، واللبرالي لا حد للحدود الشخصية عنده! والعلماني سيراه غاليا : لأنه وسع دائرة الدين خارج نطاق المسجد. وبتقليب فقرات أوصاف الشاب فإن نظرة الغلو ستختلف بين هذه الأطياف، كل طيف حسب ما يمس أصوله التي يرجع إليها. إذن لا بد من وضع ضابط لمفهوم الوسط في الدين؛ لكي يقال : ما زاد عليه كان غاليا وما نقص عنه كان مفرطا. ومفهوم الوسط لا بد أن يكون واضحا؛ فلا تكفي ( الإيمان بالثوابت ). بل تحتاج إلى تفصيل ممل. هذا جدلا بأنهم سلموا بميزان واحد فما بالك وميزانهم مختلف!!

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع