قصة مثل

أبو مرة عظيم المصلحين

آراءأبو مرة لم يكن غبيًا ليقول إني مفسد، وليقول لآدم وحواء سأخرجكما من الجنة، وعليكما أن تعصيا أوامر الله، بل تلبس بلباس النصح والصدق ليكون وقع كلامه ألطف {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21)} [الأعراف].



{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى (116) فَقُلْنَا يَا آَدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (117) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آَدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (120) فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آَدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى (122)} [طه].



أتباع أبي مرة ينهجون نهجه، ويقتفون أثره فـ«الخمر» التي حرمها الله –عز وجل- تتبدل إلى «مشروبات روحية»؛ لأنه لا يمكنهم في مجتمع مسلم أن يقولوا : «نقدم لكم أرقى الخمور»، بل يقلبون العبارات كما قلبها أبو مرة فيقولون :«تمتع معنا بأرقى المشروبات الروحية» كما غير أبو مرة الخبث إلى النصح وأقسم على ذلك.



و«الربا» الذي أهونه أن يزني الرجل بأمه ينقلب عندهم إلى «فوائد» وبدلا من «نسبة الربا» تقرأ «نسبة الفوائد»، فهل يعقل أن يقال: «اعص ربك وكل الربا».



لا يمكن لمتلبرل أن يدعو إلى «تفسخ المرأة»، وإلى السماح بفتح «الحانات» لأن أبا مرة قد بين له المسلك؛ فـ«تحرير المرأة من القيود الجامدة» ألطف، وأما «نريد مراقص وحانات» فعقلاء العصاة في مجتمعنا يردونها إلى جوف قائلها.



ولا يمكن له أن يدعو إلى تنحية الشريعة؛ إذ وقع الجملة عظيم في النفوس المسلمة، فيلجأ إلى تحريف معاني الشريعة لتواكب التطور ومجاراة الآخرين كما حرّف فرعون إصلاح موسى –عليه السلام- فسماه فسادًا {إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ}[غافر:26].



ولا يمكنه –أيضًا- أن يدعو إلى حرية «الزنا» فحلول أبي مرة جاهزة متكاملة، لأن «ممارسة الحب» ، و«العلاقات الشخصية الخاصة» ليست منفرة؛ إذ يقبل الفتى والفتاة بوصف حبيب وحبيبة ولا يقبلان بوصف زانٍ وزانية.



ولا يمكن لمعتدٍ يفجر فيفسد أن يقول عن نفسه إنه داعية فساد وإزهاق نفوس معصومة؛ لأنه لن يقبل منه، فشرف الجهاد لا يختلف فيه مسلمان.



ولا يمكن لشخص يريد كسب ثقة مجتمع مسلم أن يرفع شعار النصب والاحتيال؛ بل يرفع شعار الخوف من الله وإعطاء الحقوق والتدثر بهيئة أهل التقوى والصلاح؛ لأن النفوس تميل إليهم، وتسعد بلقياهم.



ولا يمكن لمسلم أن يسمي العبث بأعراض المسلمات في شرق الأرض ومغاربها غشًّا وخداعًا، بل هو عنده زواج؛ لكنه زواج لا سكن فيه ولا مودة ولا رحمة ولا أسرة.



ولا يمكن لمسؤول أن يصف نفسه بأنه متعسف يستغل السلطة لمصالحه الشخصية، بل يتشدق بالوطنية ويتفيهق بالنـزاهة فيما قدمه تركل مستندات الشعب!



ولا يمكن لسفراء التغريب أن يغربوا المجتمع دفعة واحدة؛ لأن أبا مرة أوحى إليهم أن اعملوا مع مجتمعكم كما عملت مع قوم نوح؛ إذ لم يدعهم إلى عبادة الأصنام مباشرة، بل تدرج معهم وسلك مسلك الزهاد فبين لهم أن تماثيل الصالحين تحفزهم إلى التقوى فصدقوا بادئ بدء ثم عبدوا الأصنام مع تعاقب الليالي والأيام، فهل يعقل أن يخرج دعاة التغريب عن نهج أستاذ أساتيذهم!



لقد انقلبت موازين المصطلحات في عصرنا، فصرنا أحوج ما نكون إلى تحرير دلالات المصطلحات قبل الخوض فيما بعدها؛ لأن تفسير المصطلحات والشعارات أهم من النطق بها.



فالمقاومة ضد «المحتل» صارت «جريمةً وإرهابًا»، وسفك الدم المعصوم صار «رفع راية الحق»، واللجوء إلى أحضان الدول الأجنبية «إصلاحًا للوطن».



وانعكس بعضهم فصار سافله عاليه وعاليه سافله حين يسمي «الاحتلال» -الذي أقر الباغي على نفسه بأنه «محتل»- «تحريرًا».



تأمل الشعارات المرفوعة، ثم قارن بينها وبين التطبيق كي تحكم على من رفعها بصدقه مع نفسه أو كذبه عليها قبل صدقه مع الآخرين أو كذبه عليهم.



فمن كان سلوكه سويًّا، وخلقه قويمًا قد صدق مع نفسه ومع الآخرين فإنه قريب إلى الحق كما أن من كان سلوكه سيئًا، وخلقه معوجًا قد كذب على نفسه كما كذب على الآخرين فإنه ملاصق للباطل.



علينا أن نحذر من رافعي الشعارات؛ لأن من يتصف بجزء من عقل لا يرفع شعارًا مزيفًا.



أتباع أبي مرة في أسلوبه كثر في مجتمعنا؛ أتباع ناجحون في صفه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، هدانا الله وإياهم إلى الصراط المستقيم.



ألم يقسم أبو مرة بأنه من الناصحين، فلِمَ لا يقسمون مثله!

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

عدد التعليقات : 4 | عدد القراء : 8706 | تأريخ النشر : الأحد 14 رمضان 1426هـ الموافق 16 أكتوبر 2005م

طباعة المقال

إرسال المقالة
أبو مرة عظيم المصلحين أبو مرة لم يكن غبيا ليقول إني مفسد، وليقول لآدم وحواء سأخرجكما من الجنة، وعليكما أن تعصيا أوامر الله، بل تلبس بلباس النصح والصدق ليكون وقع كلامه ألطف {فوسوس لهما الشيطان ليبدي لهما ما ووري عنهما من سوآتهما وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين (20) وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين (21)} [الأعراف]. {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى (116) فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (117) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (118) وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى (119) فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (120) فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة وعصى آدم ربه فغوى (121) ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (122)} [طه]. أتباع أبي مرة ينهجون نهجه، ويقتفون أثره فـ«الخمر» التي حرمها الله –عز وجل- تتبدل إلى «مشروبات روحية»؛ لأنه لا يمكنهم في مجتمع مسلم أن يقولوا : «نقدم لكم أرقى الخمور»، بل يقلبون العبارات كما قلبها أبو مرة فيقولون :«تمتع معنا بأرقى المشروبات الروحية» كما غير أبو مرة الخبث إلى النصح وأقسم على ذلك. و«الربا» الذي أهونه أن يزني الرجل بأمه ينقلب عندهم إلى «فوائد» وبدلا من «نسبة الربا» تقرأ «نسبة الفوائد»، فهل يعقل أن يقال: «اعص ربك وكل الربا». لا يمكن لمتلبرل أن يدعو إلى «تفسخ المرأة»، وإلى السماح بفتح «الحانات» لأن أبا مرة قد بين له المسلك؛ فـ«تحرير المرأة من القيود الجامدة» ألطف، وأما «نريد مراقص وحانات» فعقلاء العصاة في مجتمعنا يردونها إلى جوف قائلها. ولا يمكن له أن يدعو إلى تنحية الشريعة؛ إذ وقع الجملة عظيم في النفوس المسلمة، فيلجأ إلى تحريف معاني الشريعة لتواكب التطور ومجاراة الآخرين كما حرف فرعون إصلاح موسى –عليه السلام- فسماه فسادا {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد}[غافر:26]. ولا يمكنه –أيضا- أن يدعو إلى حرية «الزنا» فحلول أبي مرة جاهزة متكاملة، لأن «ممارسة الحب» ، و«العلاقات الشخصية الخاصة» ليست منفرة؛ إذ يقبل الفتى والفتاة بوصف حبيب وحبيبة ولا يقبلان بوصف زان وزانية. ولا يمكن لمعتد يفجر فيفسد أن يقول عن نفسه إنه داعية فساد وإزهاق نفوس معصومة؛ لأنه لن يقبل منه، فشرف الجهاد لا يختلف فيه مسلمان. ولا يمكن لشخص يريد كسب ثقة مجتمع مسلم أن يرفع شعار النصب والاحتيال؛ بل يرفع شعار الخوف من الله وإعطاء الحقوق والتدثر بهيئة أهل التقوى والصلاح؛ لأن النفوس تميل إليهم، وتسعد بلقياهم. ولا يمكن لمسلم أن يسمي العبث بأعراض المسلمات في شرق الأرض ومغاربها غشا وخداعا، بل هو عنده زواج؛ لكنه زواج لا سكن فيه ولا مودة ولا رحمة ولا أسرة. ولا يمكن لمسؤول أن يصف نفسه بأنه متعسف يستغل السلطة لمصالحه الشخصية، بل يتشدق بالوطنية ويتفيهق بالنـزاهة فيما قدمه تركل مستندات الشعب! ولا يمكن لسفراء التغريب أن يغربوا المجتمع دفعة واحدة؛ لأن أبا مرة أوحى إليهم أن اعملوا مع مجتمعكم كما عملت مع قوم نوح؛ إذ لم يدعهم إلى عبادة الأصنام مباشرة، بل تدرج معهم وسلك مسلك الزهاد فبين لهم أن تماثيل الصالحين تحفزهم إلى التقوى فصدقوا بادئ بدء ثم عبدوا الأصنام مع تعاقب الليالي والأيام، فهل يعقل أن يخرج دعاة التغريب عن نهج أستاذ أساتيذهم! لقد انقلبت موازين المصطلحات في عصرنا، فصرنا أحوج ما نكون إلى تحرير دلالات المصطلحات قبل الخوض فيما بعدها؛ لأن تفسير المصطلحات والشعارات أهم من النطق بها. فالمقاومة ضد «المحتل» صارت «جريمة وإرهابا»، وسفك الدم المعصوم صار «رفع راية الحق»، واللجوء إلى أحضان الدول الأجنبية «إصلاحا للوطن». وانعكس بعضهم فصار سافله عاليه وعاليه سافله حين يسمي «الاحتلال» -الذي أقر الباغي على نفسه بأنه «محتل»- «تحريرا». تأمل الشعارات المرفوعة، ثم قارن بينها وبين التطبيق كي تحكم على من رفعها بصدقه مع نفسه أو كذبه عليها قبل صدقه مع الآخرين أو كذبه عليهم. فمن كان سلوكه سويا، وخلقه قويما قد صدق مع نفسه ومع الآخرين فإنه قريب إلى الحق كما أن من كان سلوكه سيئا، وخلقه معوجا قد كذب على نفسه كما كذب على الآخرين فإنه ملاصق للباطل. علينا أن نحذر من رافعي الشعارات؛ لأن من يتصف بجزء من عقل لا يرفع شعارا مزيفا. أتباع أبي مرة في أسلوبه كثر في مجتمعنا؛ أتباع ناجحون في صفه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، هدانا الله وإياهم إلى الصراط المستقيم. ألم يقسم أبو مرة بأنه من الناصحين، فلم لا يقسمون مثله!
(1) - عنوان التعليق : أين أنت ياسيدي من زمان

تأريخ النشر: الأربعاء 1 شوال 1426هـ الموافق 2 نوفمبر 2005مسيحية

نص التعليق
يقلبون العبارات كما قلبها أبو مرة فيقولون :«تمتع معنا بأرقى المشروبات الروحية"



طبعاً ... والشعب المسلم المسكين لايفهم معنى المشروبات الروحية ...



انك تصور قومك ياعزيزي .. وكأنهم في غاية السذاجة .. هل هناك من نادى بشكل رسمي بأن يحلل بيع الخمور ؟ لا أعتقد

هل هناك من يدعوا الى تحليل الزنا ؟ لا أعتقد

والقائمة تطول !!!



انها عجلة التطور ياسيدي الكريم التي لن تستطيع ايقافها لاأنت ولا غيرك ... ولنا في مدارس البنات .. والمذياع والتلفزيون والفضائيات والانترنت خير مثال ...



انظر كم احتجنا من سنين لنعترف وبشكل خجول بأن هناك كائناً بيننا اسمه المرأة له هويته (مع وجود معارضين ) .. وانه يحق لها أن تكون كياناً منفرداً بعد أن كانت مجرد احصائية في وثيقة عبودية سميت زوراً (كرت عائلة )



دمت بخير

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : فضلا أعد قراءة المقال

تأريخ النشر: الخميس 1 شوال 1426هـ الموافق 3 نوفمبر 2005مسيحية

نص التعليق
الزائر الكريم ماجد



فضلا أعد قراءة المقال



(المشروبات الروحية) ليس مستغربة، ولم أصف الشعب بالسذاجة، بل المقال منصب على قلب المصطلحات



المقال -يا عزيزي - يجيب عن سؤالك : (هل هناك من نادى بشكل رسمي بأن يحلل بيع الخمور)، وتأمل الفقرة



(أتباع أبي مرة ينهجون نهجه، ويقتفون أثره فـ«الخمر» التي حرمها الله –عز وجل- تتبدل إلى «مشروبات روحية»؛ لأنه لا يمكنهم في مجتمع مسلم أن يقولوا : «نقدم لكم أرقى الخمور»، بل يقلبون العبارات كما قلبها أبو مرة فيقولون :«تمتع معنا بأرقى المشروبات الروحية» كما غير أبو مرة الخبث إلى النصح وأقسم على ذلك.)



مرة أخرى



المقال ليس عن عجلة التطور، بل عن قلب المصطلحات



دمت سالما ...

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(3) - عنوان التعليق : شكرا لك ..........

تأريخ النشر: الثلاثاء 13 شوال 1426هـ الموافق 15 نوفمبر 2005مسيحية

نص التعليق
شكرا لك ..........





كتبت فأبدعت كعادتك ..................

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(4) - عنوان التعليق : موفق ان شاء الله

تأريخ النشر: الخميس 10 صفر 1427هـ الموافق 9 مارس 2006مسيحية

نص التعليق
الله يوفقك لما يحب ويرضاه يامن تدعوا الى الاسلام الذي فيه كل الاعمال الفاضلة والاخلاق الحسنة ,انا جدا مسرور بكتاباتك حيث اني زائر معجب وساتواصل معكم (ان شاء الله )على جسر الاخوة في الله.







والسلام عليكم اخواني الكرام

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع