قصة مثل

صك التعقيد

آراءاجتمع أهالي قرية (المحبة) واتفقوا على رفع برقية تذكيرية إلى معالي المسؤول كي تقدم الخدمات الضرورية لهذه القرية؛ فقد سبق أن رفعوا برقيات ولكن لا مجيب لهم.



ومطالبهم من أيسر الحقوق التي يستحقونها، ولأن أهالي قرية (المحبة) مسالمون وليسوا أصحاب علاقات فإنهم رفعوا مطالبهم مباشرة إلى معالي المسؤول دون أن يمروا بالأساليب المتبعة.



أُرسلت المعاملة إلى معالي المسؤول بتأريخ 1/1/1400هـ، ولم تصل إلا بعد ثمانية وعشرين يومًا، وكتب موظف الاتصالات الإدارية رقم الوارد المؤرخ في 28/1/1400هـ.



عرضت المعاملة في اليوم التالي على مدير مكتب معالي المسؤول، فرأى أن أهالي القرية ليس فيهم شخص له منصب، ولا يرجى منهم مصلحة، فقرر عرضها على معالي المسوؤل ضمن البريد الأسبوعي تكرما منه.



قرأها معالي المسؤول ونظر إليه كأي ورقة أخرى ليس ذات أهمية، ووجه بإحالتها إلى وكيل الوزارة.



وصلت المعاملة إلى مكتب الوكيل في 4/2 ولأنها قضية لا تعنيه فقد وجه بإحالتها إلى قسم التدقيق كالمتبع.



قسم التدقيق يرأسه شخص اسمه صالح المعقد وبينه وبين الموظف محمد المعقد قواسم مشتركة في تعطيل المعاملات وتعقيدها، وصلت إليهم المعاملة بعد يومين لهذا كان التوجيه مختصرا (إلى الأخ محمد المعقد يعمل اللازم).



محمد المعقد كان منشغلا بأموره الخاصة، رأى المعاملة ثم رمى بها في سلة المعاملات إلى أن تنتهي مصالحه الشخصية، ثم حول المعاملة إلى الحفظ.



أحيلت المعاملة إلى قسم الحفظ وكتب الموظف:



بناء على قرار صاحب المعالي رقم 4/16/4032/خ/6 لعام 1392هـ تدون ضمن قائمة الانتظار وتحفظ تحت رقم 644/ح/ق لعام 1400 هـ



وبهذا انتهت المعاملة، ولا عزاء لأهالي قرية المحبة.



انتظر الأهالي أن تصلهم الخدمات لأنهم مواطنون والمواطن يصله الحق دون واسطة، لكن لم يصلهم شيء.



بعد أشهر زار مسؤول كبير القرية ورأى حالتها المزرية فسأل أهل القرية، فأخبروه قصة المعاملة.



لما رجع المسؤول الكبير إلى مكتبه رفع السماعة على المسؤول الصغير:



لماذا لم تصل الخدمات إلى أهالي قرية المحبة؟!



المسؤول الصغير :



المعاملة طال عمرك عندي وقد أوليتها اهتمامي طال عمرك والتأخير طال عمرك من أجل أن نقدم طال عمرك أفضل الخدمات للقرية طال عمرك



المسؤول كبير :



بشكل عاجل جدا!



المسوؤل الصغير :



طال عمرك أبشر طال عمرك



ارتعشت يد المسؤول الصغير ورفع السماعة على مدير مكتبه :



يا .....!، أحضر لي معاملة قرية المحبة!



مدير المكتب :



أبشر طال عمرك



مدير المكتب يتصل على الوكيل :



معالي المسؤول يقول أحضروا معاملة قرية المحبة فورا!!!



وتأخذ السلسلة دورها، ويرفع الوكيل السماعة على قسم التدقيق:



أحضر معاملة قرية (المحبة) الآن!



علم صالح المعقد أن المسألة لا تحتمل (التعقيد)، فكلم (محمد المعقد) :



محمد، الوزير طلب معاملة قرية (المحبة) شخصيا!



لما وقعت كلمة (شخصيا) على أذن محمد جمز جموز الحمار مهرولا إلى قسم الحفظ يقلب أدراجه إلى أن استخرج المعاملة في وقت وجيز.



وصلت المعاملة إلى مكتب الوكيل فكتب:



تحال إلى مدير المكتب بصفة عاجلة جدا!



تلقف مدير المكتب المعاملة ودخل بها على معالي المسؤول

فكتب معالي المسؤول:



تحال إلى قسم التنفيذ بشكل عاجل!



ويكتب قسم التنفيذ:



ينفذ طلب معاليه فورا!



ويحصل الأهالي على الخدمات الضرورية



كل هذا في يوم واحد



الفرق بين سير المعاملتين أن السير الأول كان لمصالح مجموعة تتصف بالمواطنة، ولهذا كان مصير حقوقهم الحفظ في الأدراج.



وأما السير الثاني فكان خوفًا على المنصب من معالي المسؤول فما دون، ولهذا أُنهيت الإجراءات في يوم واحد.



ما ذكر أعلاه ليس مبالغة في سير الإجراءات المتبعة في الدوائر الحكومية بل تقع كل يوم وتختلف التأشيرات فقط.



وأكثر ما يغيظ أن يكتب مسؤول في الصحف ووسائل الإعلام منددا بالبيروقراطية حتى يتمنى الموظفون كلهم أنه رئيسهم المباشر.



لكنه في الواقع بيروقراطي من الدرجة الأولى، يتلذذ بمخالفة ما يدعو إليه في كلماته.



إذا رأى أن معاملة أنهيت إجراءاتها بسرعة أصابه نكد وهم يشتعل منه رأسه شيبًا.



سؤال يتقلب في فكري:



كم مواطن يحتاج إلى أن يسمعه مسؤول كبير كي يحصل على حقوقه؟





http://www.awbd.net/images/charter.jpg

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

عدد التعليقات : 2 | عدد القراء : 2800 | تأريخ النشر : الخميس 5 ذو القعدة 1425هـ الموافق 16 ديسمبر 2004م

طباعة المقال

إرسال المقالة
صك التعقيد اجتمع أهالي قرية (المحبة) واتفقوا على رفع برقية تذكيرية إلى معالي المسؤول كي تقدم الخدمات الضرورية لهذه القرية؛ فقد سبق أن رفعوا برقيات ولكن لا مجيب لهم. ومطالبهم من أيسر الحقوق التي يستحقونها، ولأن أهالي قرية (المحبة) مسالمون وليسوا أصحاب علاقات فإنهم رفعوا مطالبهم مباشرة إلى معالي المسؤول دون أن يمروا بالأساليب المتبعة. أرسلت المعاملة إلى معالي المسؤول بتأريخ 1/1/1400هـ، ولم تصل إلا بعد ثمانية وعشرين يوما، وكتب موظف الاتصالات الإدارية رقم الوارد المؤرخ في 28/1/1400هـ. عرضت المعاملة في اليوم التالي على مدير مكتب معالي المسؤول، فرأى أن أهالي القرية ليس فيهم شخص له منصب، ولا يرجى منهم مصلحة، فقرر عرضها على معالي المسوؤل ضمن البريد الأسبوعي تكرما منه. قرأها معالي المسؤول ونظر إليه كأي ورقة أخرى ليس ذات أهمية، ووجه بإحالتها إلى وكيل الوزارة. وصلت المعاملة إلى مكتب الوكيل في 4/2 ولأنها قضية لا تعنيه فقد وجه بإحالتها إلى قسم التدقيق كالمتبع. قسم التدقيق يرأسه شخص اسمه صالح المعقد وبينه وبين الموظف محمد المعقد قواسم مشتركة في تعطيل المعاملات وتعقيدها، وصلت إليهم المعاملة بعد يومين لهذا كان التوجيه مختصرا (إلى الأخ محمد المعقد يعمل اللازم). محمد المعقد كان منشغلا بأموره الخاصة، رأى المعاملة ثم رمى بها في سلة المعاملات إلى أن تنتهي مصالحه الشخصية، ثم حول المعاملة إلى الحفظ. أحيلت المعاملة إلى قسم الحفظ وكتب الموظف: بناء على قرار صاحب المعالي رقم 4/16/4032/خ/6 لعام 1392هـ تدون ضمن قائمة الانتظار وتحفظ تحت رقم 644/ح/ق لعام 1400 هـ وبهذا انتهت المعاملة، ولا عزاء لأهالي قرية المحبة. انتظر الأهالي أن تصلهم الخدمات لأنهم مواطنون والمواطن يصله الحق دون واسطة، لكن لم يصلهم شيء. بعد أشهر زار مسؤول كبير القرية ورأى حالتها المزرية فسأل أهل القرية، فأخبروه قصة المعاملة. لما رجع المسؤول الكبير إلى مكتبه رفع السماعة على المسؤول الصغير: لماذا لم تصل الخدمات إلى أهالي قرية المحبة؟! المسؤول الصغير : المعاملة طال عمرك عندي وقد أوليتها اهتمامي طال عمرك والتأخير طال عمرك من أجل أن نقدم طال عمرك أفضل الخدمات للقرية طال عمرك المسؤول كبير : بشكل عاجل جدا! المسوؤل الصغير : طال عمرك أبشر طال عمرك ارتعشت يد المسؤول الصغير ورفع السماعة على مدير مكتبه : يا .....!، أحضر لي معاملة قرية المحبة! مدير المكتب : أبشر طال عمرك مدير المكتب يتصل على الوكيل : معالي المسؤول يقول أحضروا معاملة قرية المحبة فورا!!! وتأخذ السلسلة دورها، ويرفع الوكيل السماعة على قسم التدقيق: أحضر معاملة قرية (المحبة) الآن! علم صالح المعقد أن المسألة لا تحتمل (التعقيد)، فكلم (محمد المعقد) : محمد، الوزير طلب معاملة قرية (المحبة) شخصيا! لما وقعت كلمة (شخصيا) على أذن محمد جمز جموز الحمار مهرولا إلى قسم الحفظ يقلب أدراجه إلى أن استخرج المعاملة في وقت وجيز. وصلت المعاملة إلى مكتب الوكيل فكتب: تحال إلى مدير المكتب بصفة عاجلة جدا! تلقف مدير المكتب المعاملة ودخل بها على معالي المسؤول فكتب معالي المسؤول: تحال إلى قسم التنفيذ بشكل عاجل! ويكتب قسم التنفيذ: ينفذ طلب معاليه فورا! ويحصل الأهالي على الخدمات الضرورية كل هذا في يوم واحد الفرق بين سير المعاملتين أن السير الأول كان لمصالح مجموعة تتصف بالمواطنة، ولهذا كان مصير حقوقهم الحفظ في الأدراج. وأما السير الثاني فكان خوفا على المنصب من معالي المسؤول فما دون، ولهذا أنهيت الإجراءات في يوم واحد. ما ذكر أعلاه ليس مبالغة في سير الإجراءات المتبعة في الدوائر الحكومية بل تقع كل يوم وتختلف التأشيرات فقط. وأكثر ما يغيظ أن يكتب مسؤول في الصحف ووسائل الإعلام منددا بالبيروقراطية حتى يتمنى الموظفون كلهم أنه رئيسهم المباشر. لكنه في الواقع بيروقراطي من الدرجة الأولى، يتلذذ بمخالفة ما يدعو إليه في كلماته. إذا رأى أن معاملة أنهيت إجراءاتها بسرعة أصابه نكد وهم يشتعل منه رأسه شيبا. سؤال يتقلب في فكري: كم مواطن يحتاج إلى أن يسمعه مسؤول كبير كي يحصل على حقوقه؟
(1) - عنوان التعليق : بلا عنوان

تأريخ النشر: الأربعاء 12 شوال 1428هـ الموافق 24 أكتوبر 2007مسيحية

نص التعليق
نفسي تبى العز والحاجـات تغصبهـا** ترمي بهـا بيـن أجاويـد وأنذالي
المال يحـي رجـالاً لاحيـاة ابهـا**كالسيل يحي الهشيـم الدمـدم البالـي
عفت المنازل وروحي يـوم اجنبهـا**منها غنيمه وعنهـا البعـد أولا لـي
لاخير في ديرةٍ يشقى العزيـز ابهـا**يمشي مع الناس فـي هـمٍ وإذلالـي
مع تقديري

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : القمه وليس القاع

تأريخ النشر: الثلاثاء 21 ذو القعدة 1429هـ الموافق 18 نوفمبر 2008مسيحية

نص التعليق
أعجبتني هذه القصه مدري المقاله . . ولكن أقول لم يعد الناس سذج ليقولوا أن الفساد الأداري بسبب ذلك الموظف البسيط التعيس الذي ربما هاجر ألف كيلو ليحصل آخر الشهر ما يسد به حاجته الفساد الأداري بسبب الوزراء والوكلاء والمدراء المعششين في مكاتبهم منذ أمد بعيد ولن يشعر الكبير بمعاناة الصغير حتى يشرب من نفس الكأس فهل يذهب هؤولاء لمستوصف حكومي في الرياض مثلاً وقت الذروه وينتظر دوره نصف يوم وهل تعمل بناتهم أو أبناءهم خارج المدينه مسافة 200 كيلو دوام صباحي . . . ويتحدثون عن الأنجازات يقول أوصلنا لهم طريق معبد وماء وكهرباء . لا وبعد عطيناهم تلفون يستاهلون هذه تسمى إنجازات فقط إذا حصلت في جنوب السودان أوقرى اليمن الجبليه أوالصومال أما هنا فهي من المسلمات فلا يجب حتى الأشاره إليها . . . تحياتي لكم . .
http://oldphotofile.blogspot.com

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع