قصة مثل
المقالة المردود عليها

يا أهل الحل والعقد لماذا لا تحددون طبيعة المرض؟

عبد الله بن ناصر الفوزان

صحيفة الوطن السعودية

الاثنين 22 رمضان 1424هـ الموافق 17 نوفمبر 2003م العدد (1144) السنة الرابعة

نص المقالة أنا بصراحة لم أفهم شيئا، ولا تهمني تلك الاستنكارات ولغة الشجب الغاضبة، فأنا أيضا أستنكر، وغضبي وحزني يصلان عنان السماء، وما قاله هؤلاء الأفاضل قد يُقنع لو كانت المسألة لحال شاذة قوامها شخصان أو خمسة أو حتى عشرة، لأن تلك الفاجعة الكبرى التي حصلت بمجمع المحيا في مدينة الرياض تعدُّ نقلة نوعية بالغة الخطورة في مسار الأحداث تجعل العاقل يمسك رأسه ويحوقل مئة مرة خوفا من المقبل المحتمل فقد بدأت في الأيام التالية أتتبع مواقف أهل الحل والعقد من الحدث وأقوالهم وتصريحاتهم حوله، لأتبين هل ذلك المنعطف الخطير الذي عبر عنه الحدث أوجد منعطفا آخر بالقوة نفسها والأهمية نفسها في آراء وتحليلات ومواقف عقلائنا وكبارنا بحيث تكون أحكامهم واضحة ومقنعة للناس، أم إن الأمر ظل كما كان... تصريحات حارة تدور بعيدا عن الحمى ولا توشك حتى أن ترتع فيه وبالتالي لا تقنع ولا ترشد إلى العلاج.
وأصارحكم القول إنني بعد رصد كثير من تلك الآراء والتصريحات والأقوال التي حملتها أجهزة إعلامنا شعرت بخيبة الأمل لأنني لم أجد إلا المعزوفة إياها المتكررة مع أنه يفترض أن تكون الحادثة الأخيرة قد هزتنا كلنا من الأعماق وأرعبتنا وجذبت ليس فقط عيوننا وقلوبنا بل عقولنا نحو ذلك الوضع المأساوي الذي يفترض أنه يجعل أهل الحل والعقد يسارعون إلى تشخيص المرض بدقة متناهية تتيح الفرصة للتفكير الجدي السليم في العلاج.
لقد اطلعت على كثير من تصريحات أهل الحل والعقد، وسأعرض لكم نماذج منها لتروا بأنفسكم كيف أنها مجرد بلاغات شجب واستنكار بلغة غاضبة لا تحدد أسباب حصول المصيبة بأسلوب مقنع، بقدر ما تعبر عن غضب هو تحصيل حاصل، لأن الجميع غاضبون لا يحتاجون إلى من يؤجج مشاعرهم، بقدر حاجتهم إلى من يشرح لهم الغموض الذي يحيُّرهم ويخيفهم.
ها هو أحد كبار أهل الحل والعقد يقول عن مدبري ومنفذي الجريمة، "هذه طغمة فاسدة تلقت مذهبها من شياطين الإنس والجن (!!) وجاءت تريد انتهاك حرمات المسلمين". وها هو آخر يحث في كلمته من سلك أو يسلك هذا المسلك على التوبة والعودة إلى طريق الرشاد ثم يدعو العلماء والموجهين والمربين إلى مواجهة الأخطار المضللة وإزالتها من أذهان الناس، وها هو ثالث يدعو أهل العلم والدعاة في كلمته إلى كشف خطورة وفداحة الضرر، وبيان شأن فاعلي هذه الجرائم، ثم يقول إن تلك الاعتداءات الإرهابية جريمة اخترقت حرمة الشهر الكريم، قامت بها فئة ضالة تعبر عن عداوة ظاهرة معلنة، وحرب على الإسلام وأهله, وهذا رابع يقول إن التفجير الإجرامي عمل منكر في الإسلام، وفي جميع الأعراف، وعند كل الأمم, وهذا خامس يقول، إنه يجب علينا أن نعمل صفا واحدا لنحارب هذه الطائفة المنحرفة ونعمل على تحذير الشباب المتطرف, وهذا سادس يقول، إن الفئة الضالة أصيبت بلوث في المعتقد، وانحراف عن النهج الحق، وزين لها الشيطان أعمالها. وهذا سابع يقول، إن الأعمال الإرهابية خروج عن الأمة، لعن الله من خطط لها ونفذها, وهذا ثامن يقول، إن هؤلاء المجرمين مرتزقة باعوا أنفسهم ودينهم للشيطان ولأهل الدعوات المغرضة، ويجب على الخطباء والأئمة تفنيد مزاعم هذه الفئة الضالة.
هذه مجرد أمثلة لسيل من آراء ومواقف وتصريحات أهل الحل والعقد فهل فهمتم شيئا؟
أنا بصراحة لم أفهم شيئا، ولا تهمني تلك الاستنكارات ولغة الشجب الغاضبة، فأنا أيضا أستنكر، وغضبي وحزني يصلان عنان السماء، وما قاله هؤلاء الأفاضل قد يُقنع لو كانت المسألة لحال شاذة قوامها شخصان أو خمسة أو حتى عشرة، ولكننا نرى أن مئات من شبابنا، وربما آلاف منهم، سلكوا هذا المسلك الخطير وهم بلا شك مقتنعون بما أقدموا عليه، ونحن نعرف أنهم لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا لوجود أرضية صالحة، ووسائل مقنعة لهم، وأسلوب ومكان للتجنيد الفكري، ومرجعيات وبيئة خصبة تسمح بذلك، ولا يمكن أن يكون مقنعا لأي متأمل أن يقال له إنهم ضلوا أو أن الشيطان أغواهم، فنحن نواجه ظاهرة واضحة لا بد من أن تكون لها أسباب قوية، ومن المفروض أن نحلل هذه الظاهرة، ونتتبع أسبابها بطريقة مقنعة، بعيدة عن التعابير العامة كالضلال وإغواء الشيطان, إذ حتى ذلك يحتاج إلى إيضاح أسبابه.
إني وكثير من الناس، نحتاج من أهل الحل والعقد، أن يوضحوا لنا بلغة جلية، كيف أصبح شبابنا صيدا سهلا لمصائد التجنيد, وما هي يا ترى تلك الوسائل التي طوعت عقولهم بهذا الشكل, ولماذا تكاثرت الخلايا المنحرفة لدينا تكاثر الأرانب، وتفجرت على ذلك النحو المروع, وبصراحة أكثر أقول لأصحاب الفضيلة أهل الحل والعقد في مثل هذه الأمور، ما هي المراجع الدينية المكتوبة التي استقى منها ويستقي هؤلاء الشباب أفكارهم، وأين هي يا ترى؟
وهل يعقل، أن تكون هي الأخرى شيطانية، لا وجود لها إلا في عقول الشياطين؟. ثم ألا يفترض أن تكون كثيرة ومنتشرة بمقدار تكاثر الشباب المنحرفين وانتشارهم؟
باختصار، يا أصحاب الحل والعقد لا بد من أن تقولوا لنا بوضوح وصراحة وبأسلوب مقنع، ما هي طبيعة المرض حتى نفهم ونتعاون معكم في إيجاد الحل لهذه الطامة التي تهددنا جميعا.

المرض والعلاج

آراءيشعر المرء بالأسى عند الكتابة حول هذا الموضوع؛ لأنّ غالبية المجتمع متوقد غضبًا يسير في اتجاه واحد، ولأن الحديث في هذا الموضوع يلزم منه ذكر حقائق تزعج أصحابها؛ ويضيق صدر المرء حيث يرى حقًّا وباطلاً يُمزج كل منهما بالآخر، ويتحدث أناس عن قضية لا يعرفونها.

والقارئ للصحافة السعودية في الآونة الأخيرة يصاب بتخمة من المقالات المتحدة في المضمون؛ وإنما تختلف ألفاظها، بعضهم يكتب من أجل أن يبين ولاءه للدولة، وبعضهم يكتب موافقة للتيار العام.

وكما هو معلوم فإن معرفة الحقيقة التي تخالف الواقع مرة، وندرة من يتسع صدره لقبول هذه الحقيقة، وقد أحجم كثيرون عن الحديث علانية عن بعض هذه الحقائق.

وإذا طالعت الصحف السعودية رأيتها تدور في فلك واحد، ولم تطرح السؤال المفترض طرحه؛ وهو : ما المرض؟ وما علاجه؟

وإن رأيت بعض الحديث فهو حديث موجز، فانعكست القضية؛ لأن ترديد التنديد لا فائدة منه، فلو أصيب شخص بمرض فإن الطبيب يفحص المرض لعلاجه

ولا يكثر الثرثرة في وصف الشخص بأنه مريض!

ومن خلال مطالعتي للصحف استوقفني مقال د.عبد الله الفوزان حيث نحا منحى مغايرًا للنهج العام؛ فقد ملَّ كما ملَّ غيره من هذا التكرار، وتساءل عن سبب المرض وكيفية العلاج.

وبحكم أني عايشت بعض الحقائق، وكانت لي اتصالات ببعض المنتسبين إلى المناهج الفكرية في بلدنا فإني سأتجرأ اليوم لأقول ما كنت أحجم عن قوله، فقد كان تفكيري يرجح لي أن أعيش بسلام بعيدًا عن المساءلات، وبعيدًا عن الدخول في الصراعات، ولسان حالي يردد :

لزمت بيتي وصنت وجها به عن الذلة امتناع

ولا أزعم أني أعلم من الآخرين بهذه الأمور، فهناك أناس التصقوا بهذه الوقائع، وسبروا أغوارها.

لكنني أعيش في هذا البلد، ولا بد من قول كلمة الحق التي أرى أنها حق – وقد تكون باطلا- لكنني أجتهد متحملاً تبعات رأيي.

السؤال المطروح : ما المرض؟ وما علاجه؟

والجواب المختصر : المرض هو الغلو في التكفير، وعلاجه معرفة سبب المرض والمكاشفة الحقيقية وعدم إخفاء الأمور.

ولمعرفة المرض تتعين معرفة كيف نشأ:

أولا : يكثر إطلاق مصطلح ( التكفير ) على أنه من باب الذم، ومعلوم من الدين بالضرورة أن التكفير من مبادئ الإسلام، فمن لم يعتنق الإسلام فهو كافر، ومن جحد شيئا من أصوله فهو كافر، وقضية التكفير معروفة في التأريخ الإسلامي كتكفير الشافعي لحفص الفرد، وليست مرضًا أو خللاً في فهم الإسلام، بل الخلل هو في

( الغلو في التكفير ). فهناك فرق بين ( التكفير ) وبين ( الغلو في التكفير ) كما أن هناك فرقًا بين ( التدين )، و ( الغلو في التدين ). فعلينا تحرير العبارات؛ لكي لا نقع في الخلل الذي وقع فيه الآخرون بالرغم من أن الاختلاف وارد في تحديد مفهوم

( الغلو في التكفير ).

ثانيًا : تجريد الجهات الرسمية من تبعة هذا المرض غير صحيح، فالجهات الرسمية لها دور في نشوء ظاهرة ( الغلو في التكفير )، والدور الأكبر للمؤثرات الخارجية، فأنا أتذكر توجه الدولة السياسي والديني أيام الحرب الأفغانية-الروسية؛ حيث كان التيار الأوحد هو دعم هذا الجهاد سياسيًا، ودينيًا، واقتصاديًا، وأتذكر حينما كنت طالبًا المعلم الفلاني الذي كان يحث على جمع التبرعات.

وكانت الجهات الرسمية تشجع الشباب ، وتسهل عملية انتقالهم إلى معسكرات التدريب في أفغانستان.

ومن شدة الحماس قررت أن أذهب إلى الجهاد خاصة بعد استشهاد أحد الطلبة مما جعل المشاعر تلتهب في أفئدتنا، لكن والدتي –رحمها الله- رفضت أن أذهب فحاولت أن أسلي نفسي فذهبت إلى المكتب المخصص للاستقبال الشباب، ويقع في حي الملز أمام بوابة نادي الرياض الأدبي، ولما دخلت المكتب رأيت شخصًا مُرحّبًا حيث كانت الدولة تمنح خصما قدره 50% أو 75% (الشك مني) على التذكرة، وهذا الشخص الآن مسؤول كبير في هذه الدولة! لكنني لم أرغب في عصيان أمر والدتي فرجعت.

فالمقصود أن الدولة لا تريد الاعتراف بالخطأ، وأنها أخطأت في فتح المجال قبل دراسة متأنية لوضع تلك المعسكرات.

وكان الإجراء المفترض اتخاذه هو دراسة تلك المعسكرات، ومن يشرف عليها؟ وما هي توجهاتها؟

وكان المفترض من الجهات الدينية التعرف عن قرب على الوضع، وعدم الانسياق خلف العواطف.

لكن شيئًا من هذا لم يحدث، بل ذهب الشباب بدعم سياسي وديني من الدولة إلى تلك المعسكرات، وتلقفهم أناس رأوا فيهم شبابًا غضًّا قابلاً للمؤثرات ليست لديه مناعة.

والعجيب أن من تفوه بكلمة ضد هذا الوضع كان يوصف بأنه متخاذل كما حصل من أحد المشايخ حينما خطب يوم الجمعة في جامعه في الرياض، حيث تحدث عن حادثة (كنر) فضج الناس وحاصوا حيصة قوم هرقل لما عرض عليهم الإسلام!

ولك أن تتخيل الوضع الآن فمن يدافع عن الجهاد الأفغاني يوصف من الأكثرية بأنه عميل، ومن يقف ضده فهو مواطن صالح.

هؤلاء الشباب الذين أرسلتهم الدولة ذهبوا وكثير منهم في المرحلة الثانوية أو الجامعية، وحينما عادوا لم يجدوا (التأهيل) اللازم، فلا المدارس والجامعات قبلتهم،

ولا الدولة رعتهم، بل تُركوا، وحينما يحصل أي خلل فإنهم يعتقلون وبعضهم سُجن لمدة سنة أو سنتين دون اتهام. بالإضافة إلى الممارسات غير الأخلاقية التي تعومل بها معهم، كل هذا أدى إلى تنمية مشاعر الكره والبغض للدولة.

وهذه المسألة لا تحتاج مني إلى تفصيل كثير؛ لأن د.محسن العواجي قد فصل فيها كثيرًا.

ثالثا :

كثير ممن يكتبون في الصحف لا يفقهون المنطلقات الفكرية التي يعتمد عليها هؤلاء الشباب، وكثيرًا ما أردد قول أبي طيب : ( ولكنه ضحك كالبكا ) فإحدى الكاتبات تحدثت عن الغلو بعد تفجير الحمراء، وذكرت أن أحد الشباب الذين ذهبوا إلى أفغانستان كفَّر والده؛ لأنه يشرب الدخان!

هذا الأنموذج ليس فريدا بل هو منتشر، ولا تعلم هذه الكاتبة ولا هذا الأنموذج أن التيار الجهادي عمومًا والغالي في التكفير خصوصًا لا ينظرون إلى مسألة الدخان أو الأغاني، بل هم يركزون على قضيتين : الحاكمية، والولاء والبراء.

وهذا ما تتحدث عنه المؤسسات السياسية والدينية؛ لكن بشكل غير مفصل،

ولا ينطبق على الواقع.

ولو تصفحت المقالات في الصفحة السعودية لرأيت من هب ودب يكتب عن هذه القضية دون أن يكون له التصاق بها، بل يكتب على ما يسمع لا على ما عايشه.

أنا لا أحجر على الكتابة؛ لكني أطالب الصحافة السعودية بمنح حرية أكبر لمن أراد الرد.

فإن قلت : هذا موجود، فأقول لك : نشر الرد يكون على مزاج رئيس التحرير، فينشر ما يريد، ويدع ما لا يريد، وقد سئمت وسئم غيري من الردود التي لا تنشر. ومنع النشر أنها لا توافق هوى رئيس التحرير، ولهذا يلجأ كثير من الكتاب إلى المنتديات لنشر ما لديهم؛ لأن الصحافة السعودية عندنا صحافة صلات وعلاقات.

رابعًا

إعفاء المؤسسات الدينية من التبعة غير صحيح؛ لأنها الرافد الروحي لزج الشباب في تلك المعسكرات. ومما أنتقده على المؤسسات الدينية لدينا :

الانتقاد الأول :- أن مشايخنا الفضلاء –عفا الله عنا وعنهم- لم يكونوا سندًا للشباب، فمثلاً يردد مشايخنا –حفظهم الله- أن على الشباب الرجوع إلى أهل العلم، وأن عليهم الالتفات حول المشايخ، وهذا ما تردده وسائل الإعلام والمثقفون؛ لكن الواقع المر خلاف هذا، وأضرب للقراء ثلاثة أمثلة :

أ ) أحد المشايخ الفضلاء نقل عنه في (الشبكة العنكبوتية) قول خطير في أحد الدعاة، وقال الناقل :« إني سمعت الشيخ الفلاني يقول كذا وكذا». فطبعتُ المقال، وذهبت إلى هذا الشيخ؛ لأتثبت من صحة هذا الخبر المنقول عنه، فدخلت عليه وسلمت ثم جلست، وقلت له : يا شيخ، نقل عنكم قول فأردت أن أتأكد من صحته.

فنظر إليَّ نظرة غريبة، ثم قلت :

أحد الأشخاص في الإنترنت يقول إنه سمعك تقول في فلان : أنه كذا وكذا

فمتعر وجه الشيخ، وقال لي :

اتركنا من خلق الله!

قلت له : يا شيخ، أنا لم أقل هذا الكلام.

قال : توكل على الله!

قلت له : يا شيخ، أنا مجرد ناقل أريد التثبت

قال : أقولك توكل على الله، ومع السلامة!

خرجت من عنده وأمواج الغضب تتعالى في صدري، وقررت ألا آتي هذا الشيخ أبدا، فكرامتي أعز علي من مشيخته، فبالله الذي خلقكم ماذا سيكون رد الشيخ لو أني أتيته أستفسر عن تكفير، أو أمر يمس الدولة؟!

ب) مما نقل إلي عن طريق كثير من الأصدقاء وهم ثقات -إن شاء الله والله أعلم بصحة الخبر- أن أحد الشباب لما رجع من أفغانستان انخرط في المجتمع ولما حصلت إحدى التفجيرات اعتقله رجال المباحث وساموه سوء العذاب؛ إلى درجة أن آثار التعذيب لم تُمحَ من جسده، ولما خرج من السجن ذهب إلى أحد المشايخ الكبار الفضلاء، وذكر له ما فعله به رجال المباحث، وأراه ظهره الذي يبرهن قوله، ثم قال للشيخ : يا شيخ، لقد أجبروني على التوقيع على ألا أشتكي ولا أخبر أحدًا!

فكان رد الشيخ صاعقة قطعت الروابط جميعها حيث قال :قم، أوفِ بوعدك!



ج) حينما قررت الدولة دمج تعليم البنات مع تعليم البنين، ذهب جمع من الشباب إلى دار الإفتاء لمقابلة المفتي، وقد أتوا بطرق سلمية غير حاملين للسلاح،وكان مجيئهم في نهاية الدوام، فواعدهم من غد، فلما كان الغد فإذا بقوات الطوارئ والأمن تنتظر الشباب! وكان رد سماحة المفتي –أعانه الله- ردا محبطا، ولم يقابلهم سوى دقيقتين، انتهت بتهديدهم باستدعاء رجال الأمن.

هذه بعض الحوادث، وغيرها كثير، فإلى متى نخدع أنفسنا ونقول : الالتفات حول أهل العلم، على الشباب الرجوع إلى المشايخ!

تخيلوا أن شابًا لديه شبهة، فقصد أحد المشايخ، ثم قال له :

يا شيخ، أن لدي مسألة أريد أن أستفسر عنها؛ وهي أن الدولة كافرة لأسباب التالية : كذا وكذا وكذا ...

سيكون جواب الشيخ : أنت ضال! بقية الخوارج! يجب أن تؤدب!

فيخرج من عند الشيخ وقد ضجر وضاقت عليه الدنيا، فتتلقفه جهة تقول له :

يا أخي في الله، نحن غرباء، وكل غريب للغريب نسيب، فيجد عندهم المناقشة الهادئة لأنه إذا قال : الدولة ليست كافرة ، فلا يكون الرد : يا مداهن، يا خبيث!، يا عميل!

بل سيكون الرد لطيفًا على نمط : يا أخي، الدولة فيها كذا وكذا

الانتقاد الثاني: أن المؤسسات الدينية وبعض المشايخ يقعون فيما ينهون عنه؛ ومن ذلك :

أ) أن أحد المشايخ الكبار، وأحد المسؤولين الكبار وصف من فجر مجمع الحمراء بأنهم قد تبوؤا مقعدهم من النار.

هذه الجملة خطيرة جدا، وتصادم أصلاً من أصول أهل السنة والجماعة، وكونها تصدر من مسؤول سياسي أمر مستساغ؛ لكن أن تصدر من شيخ يتقلد منصبًا عاليًا فهذا أمر مرفوض؛ لأن من أصول أهل السنة والجماعة ألا نشهد لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له الله ورسوله.

وضبط النفس يكون في الشدة لا في الرخاء، وما الفائدة من تدريس منهج أهل السنة والجماعة إن كان رؤوس المذهب لا يطبقونه؟

ثم إن مثل هذه الألفاظ تكون وقودًا للتيار الغالي في التكفير؛ لأنها تقوي الشبهة لديهم؛ فهم يقولون : هؤلاء مشايخ الدولة يخالفون منهج أهل السنة.

ب) ومن ذلك أن بعض المشايخ لا يتحرون دقة الألفاظ في إطلاق بعض المصطلحات على الغالين في التكفير، وهذا –أيضًا- يقوي حجج الغالين في التكفير، فمثلاً كثيرًا ما يردد بعض المشايخ أن هؤلاء خوارج، وتبعهم ما يسمى بالمثقفين.

وكما مر فإن صدور هذه الألفاظ ممن يسمى بالمثقف وهو لا يفرق بين الاعتزال والعزل، وبين الأشعري نسبًا والأشعري مذهبًا أمر مستساغ؛ لكن أن تصدر من مشايخ يُتلقى عنهم العلم الشرعي فهذا أمر مرفوض. وإليك بيان الخلل :

الرسول صلى الله عليه وسلم حدد لنا أوصاف الخوارج، وفي الحديث الذي أخرجه البخاري (3166)، ومسلم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري :

« إن من ضئضئ هذا قومًا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ».

وهذا الحديث مشهور في بعض السنن، ومسند الإمام أحمد.

فحينما يطلق بعض المشايخ هذه المصطلح على الغالين في التكفير فإنهم يدعمون حجج هؤلاء؛ لأن الوصف باختصار لا ينطبق عليهم، فيقول بعضهم لبعض : انظروا إلى مشايخ السلطان! يتهموننا بما ليس فينا.

وإليك بينا الفرق بين الخوارج وبين الغالين في التكفير :

1- الخوارج وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. وأما الغالون في التكفير فإنهم يقصدون أهل الأوثان ويَدَعُون أهل الإسلام، وقتلهم لبعض المسلمين ناشئ عن شبهة خطيرة عندهم كالتترس، و «يبعثون على نياتهم».

2 - الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة، وهؤلاء الغالون لا يكفرون شارب الخمر، ولا الزاني، بل تنحصر مسألة التكفير عندهم في مسألتين هما : الحاكمية والولاء والبراء.

ولهذا كان وصف الخضير دقيقًا لهم حينما سأله القرني : هل هم خوارج؟ فقال : «وافقوا الخوارج». وسماهم «بغاة». وهذا وصف دقيق يغلق المسلك أمام هؤلاء.

ولكي تفهم عقلية خصمك طبق ما سبق على نفسك، فلو كنت شخصًا لك آراء لا توافق التوجهات الدينية في المجتمع؛ لكنك لا ترى فصل الدين عن الدولة فإن كثيرًا من أفراد المجتمع سيطلقون عليك «علماني» وهذه لفظة خطيرة تصل إلى الكفر. ولأنك تعلم في قرارة نفسك أنك لست «علمانيًا» بالمفهوم العلمي لها فإنك لا تلقي بالاً لمثل هذه الاتهامات؛ لأنها لا تنطبق عليك. فحالك هذه كحالة الغالين في التكفير حين تطلق عليه لفظة «خوارج» فلا يأبه بها.

ولا يعني هذا أن الخوارج معدومون، أو أنهم لا يعيشون بيننا، بل هناك من يكفر المجتمعات الإسلامية كلها لا يفرق بين الحكومة و الشعب، ومنطقه : كل من عاش في ظل حكومة كافرة فهو كافر وإن لم يوافقها!

الانتقاد الثالث :

أن المشايخ الفضلاء وضحوا أمورًا كثيرة، وتركوا الأمور التي تؤرق الشباب دون توضيح، بل يعتمدون فيها على العموميات، ومن ذلك:

أ) مسألة الحاكمية؛ وهي المحك الحقيقي للخلاف لا كما تعرضه الصحافة السعودية من (التفكك الأسري، والخلل التعليمي، ) وغير ذلك؛ فهذه المسألة دقيقة جدًا، وكلام مشايخنا الفضلاء ليس مُفَصِّلا للواقع، فكما هو معلوم أن الحكم بغير

ما أنزل الله له سبع حالات:

الحالة الأولى : أن يجحد الحاكم ُ بغير ما أنزل الله أحقيَّة حكم الله ورسوله.

الحالة الثانية : ألا يجحد الحاكمُ بغير ما أنزل الله كونَ حكم الله ورسوله حقًّا؛ لكن اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسنُ من حكمه.

الحالة الثالثة : ألا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله؛ لكن اعتقد أنه مثله.

الحالة الرابعة : ألا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلاً لحكم الله ورسوله ، فضلاً عن أن يعتقد كونه أحسن منه.

الحالة الخامسة : المحاكم المدنية التي تحكم بغير شرع الله.

الحالة السادسة : ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر ، والقبائل من البوادي ونحوهم ، من حكايات آبائهم وأجدادهم ، وعاداتهم التي يسمونها (سلومهم).

الحالة السابعة : أن تَحْمِلَه شهوتُهُ وهَواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكمَ الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ، ومجانبة الهدى.

وهذه كما يقول الشيخ محمد بن إبراهيم : « فإنه معصيةٌ عظمى أكبرُ من الكبائر، كالزنا وشرب الخمر ، والسرقةِ واليمين الغموس ، وغيرها فإن معصيةً سماها الله في كتابه : كفرًا ، أعظمُ من معصيةٍ لم يسمِّها كُفْرًا».

هكذا تلقيت وتلقيت غيري هذه المسألة من أهل العلم، وهذه المسائل يمكن تطبيقها على الواقع؛ لكن بقيت مسألة قد تدخل ضمن الحالات السابقة وتحتاج إلى تفصيل؛ لكن أهل العلم لم يفصلوها، وهي :

إذا اعتقد الحاكم أن حكم الله هو الحق، واعترف على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى؛ لكنه وضع قانونًا دائمًا يخالف حكم الله، وهذا القانون يحميه الحاكم ويعاقب عليه كمن سن قانونًا للسماح بالحوانيت (بأماكن بيع الخمر)، وأصدر لها لائحة تنظمها، ويعاقب من يخالف هذه اللائحة، ويحمي هذه التصاريح من أن يُتعرض لها.

ومثلها تمامًا القضية التي يعتمد عليها الغالون في التكفير، وهذه القضية لا يتعرض لها الإعلام السعودي إما خوفًا من الحكومة أو تجاهلاً أو تغافلاً؛ وهي قضية الربا.

فالربا معصية كبيرة، وليست كفرًا أكبر مخرجًا من الملة. وحكام هذا البلد يقرون أن حكم الله هو الحق، ويفتخرون بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويعلنون ذلك؛ لكن الربا عندنا مقنن، والمصارف الربوية تعلن الربا، والأنظمة تحمي هذه المصارف، وهناك لوائح لتنظيم هذا الربا.

فما الحكم في مثل هذه القضية، ومثل قضية حوانيت الخمر؟

هناك أمور لا تحتاج إلى تفصيل كبير مع هؤلاء؛ لأنها محل اتفاق بين أهل العلم، وهؤلاء الغالين؛ لكن مسألة الخلاف الحقيقي لا ترى فيها تفصيلاً. ولهذا يبقى الشباب في دوامة التعميم، وتبقى الشبهة قائمة؛ وهذه بعض الشبهات وليست كلها.

ولم أجد مكاشفة حقيقة لفكر هؤلاء إلا في الملف الذي أعده موقع ( الإسلام اليوم ) حول تفجير الحمراء، وقد كان ملفًا واقعيًّا يتغلغل في أعماق فكر المفجرين؛ وقد ذكر المشرف على الموقع أن وزارة الإعلام رفضت فسحه!

خامسًا:

كيف يفكر الخصم؟

من الأمور المساندة لثبات هذا التيار على منهجه هي وسائل الإعلام، وأهل العلم، والمثقفون؛ لأن كثيرًا منهم لا يصور الحقيقة التي ينطلق منها هؤلاء الغالون، ولهذا يبقى هؤلاء على معتقدهم، ولم أجد من لامس بعض القضايا سوى القرني حين سأل الخضير عن هذه المسائل.

إن معرفة تفكير الخصم توصلك إلى تشخيص المرض، ثم علاجه، ويمكنك المكابرة في هذا؛ لكنك لن تصل إلى الحقيقة.

فمثلاً :

أ ) كثيرًا ما يوصف هؤلاء بأنهم يستحلون دماء المسلمين.

وهذه العبارة قد تنطبق على جزء منهم، وجزء لا تنطبق عليه. ولو دقق الباحث في تفكير بعض هؤلاء –وليس كلهم- لتيقن أنهم يعلمون بالأحاديث الصحيحة في حرمة دم المسلم؛ لكن لديهم شبهة وهي ( التترس ). هذه الشبهة لم تجد بحثًَا أو تحليلاً من وسائل الإعلام وأهل العلم، وبالمقابل فإنها مدعمة بالأدلة والنصوص عند هؤلاء الغالين، وقد وضح الخضير المسألة باختصار وهي أن التترس يكون في أرض المعركة، وفي بلاد الكفر. ولا ينطبق على ما يدعيه هؤلاء، لأن أرضنا ليست أرض معركة، وبلادنا ليست بلاد كفر.

فكان على أهل العلم أن يناقشوا هذه القضية بدلاً من سرد النصوص في بيان حرمة دم المسلم؛ لأن هذه النصوص ليست محل خلاف، بل لها تأويل عند هؤلاء.

ب) يوصف هؤلاء بأنهم أغرار، ومرضى نفسيين.

لكن الحقيقة خلاف هذا، فهؤلاء ليسوا أغرارا ولا مرضى نفسيين، بل أعاملهم معاملة الخصم العاقل.

لسان حال هؤلاء يقول : إذا كنا أغرارا ومرضى نفسيين فما حال أولئك الشباب الذين انغمسوا في اللذات.

ج) كثير من أفراد هذا التيار لا يفرق بين دار الإسلام ودار الكفر؛ ولهذا يجعل مناط الحكم على السلطة لا على الشعب. فإذا كانت الدولة عنده كافرة فالدار دار كفر، وإن كانت عنده مسلمة فالدار دار إسلام. ولا تجد بحوثًا تناقش هذه القضية بالتفصيل، والمسألة باختصار أن البلد الذي تكون الغلبة فيه للمسلمين هي دار إسلام بغض النظر عن الحكومة، ففي بلدنا : تقام الصلاة ولا يتعرض لأحد، ويسمع الآذان ولا يمنعه أحد، وتلبس المرأة الحجاب ولا تمنع من ذلك، فمظاهر الإسلام بادية بغض النظر عن كفر الحكومة أو إسلامها.

د) كثير من أفراد هذا التيار يتلقى المعلومة جاهزة، ويبني عليها الحكم، ومن ذلك قضية ( التحاكم إلى الأمم المتحدة )، و ( المعاهدات الدولية ) وغيرها. فمثلاً جملة :

( التوقيع على المعاهدات الدولية ) مما يتمسك به هذا التيار، ولم تكشف وزارة الخارجية أو الجهات المسؤولة في الدولة طبيعية هذه المعاهدات، وتركت القضية تنمو في عقول هؤلاء.

وكما هو معلوم أن هذه المعاهدات ليست حقًّا محضًا، ولا باطلاً محضًا، ففيها معاهدت باطلة كالمعاهدات التي تنص على السماح بـ ( الشذوذ )، و ( الزنا ). وهذه على حد علمي لم توقع عليها المملكة، فهذه لا يشك مسلم في بطلانها. وهناك معاهدات أخرى مثل : ( منع الجريمة المنظمة )، و ( استغلال الطفل )، ( الحد من استخدام الأسلحة النووية )، وغيرها، وبعض هذه المعاهدات وقعت عليها الدولة –حسب علمي-.

وهناك معاهدات توقع عليها الدولة؛ لكن تتحفظ على بند أو أكثر.

فهل حصل توضيح لهذه المعاهدات، وسد أبواب الظن؟

هذه لمحة عن المرض وأسبابه، وأما معالجته فتحتاج إلى مكاشفة صريحة جدًا، ومن أسباب العلاج :

فيما يتعلق بالحكومة:

1) تمكين هيئة مستقلة، أو هيئة التحقيق والادعاء العام من مراقبة تحقيقات ضباط المباحث، ومن الزيارات المفاجئة للسجون.

2) تمكين المسجونين من توكيل محامين، وللمحامين الحق في حضور التحقيقات.

3) إصلاح النظام القضائي بدءا من القضاة وانتهاء بحل مشكلة بطء المعاملات.

4) إعادة تأهيل هؤلاء الشباب والسماح لهم بمواصلة الدراسة، وفتح مجالات العمل لهم.

5) إعادة النظر فيمن له الحق في إعطاء تصاريح النشر للمنشورات والكتيبات، فمثل ملف موقع الإسلام اليوم عن تفجير الحمراء جدير بأن ينشر لا أن يتحكم شخص في منعه؛ لأن فيه مكاشفة صريحة.

6) النظر في قضايا الصحافة؛ وهل تحق محاسبة الكتاب على ما يكتبون؟ وهل يحق للصحيفة أن ترفض نشرد الردود؟

7) نشر المعاهدات والوثائق الدولية في الصحف المحلية؛ لأنها أصلا ليست سرية، بل هي مودعة في تلك المنظمات.

فيما يتعلق بالمؤسسات الدينية:

1) الدقة في التعبير عن المصطلحات وإطلاقها.

2) على أهل العلم أن يتسع صدرهم للشباب حقيقة لا كلامًا في الجرائد والمجالس، والأصل أن الشيخ يتحمل حماس الشباب وشدتهم لا أن يتحمل الشباب شدة الشيخ وحماسه.

3) البت فورًا بالتفصيل المبسوط في القضايا الناشئة بين الشباب كقضية الحاكمية والولاء والبراء وأحكام المعاهدين وأهل الذمة، وعدم الانتظار إلى أن تختمر القضية في عقولهم.

وفيما يتعلق بالمثقفين :

1) ألا يكونوا تبعا للسلطة إن رغبت في الحوار رغبوا، وإن لم ترغب

لم يرغبوا. ولا يعني عدم موافقتك للسلطة أنك ضدها، فالسلطة لها رأي في المسألة وبعض المثقفين لهم رأي آخر.

2) أن يفهموا القضية التي يريدون طرحها، وأن يعتمدوا على مصادرها الأصلية دون الاعتماد على المصادر المحلية فقط.



ختامًا:

ما يحصل للبلد من قتل واختلال أمن لا يرضي العقلاء، وما هذه طريقة الإصلاح، وإصلاح يسفك فيه دم معصوم ليس من هدي الإسلام!

عبد الرحمن بن ناصر السعيد

عدد التعليقات : 2 | عدد القراء : 4104 | تأريخ النشر : الثلاثاء 14 ذو القعدة 1424هـ الموافق 6 يناير 2004م

طباعة المقال

إرسال المقالة
المرض والعلاج يشعر المرء بالأسى عند الكتابة حول هذا الموضوع؛ لأن غالبية المجتمع متوقد غضبا يسير في اتجاه واحد، ولأن الحديث في هذا الموضوع يلزم منه ذكر حقائق تزعج أصحابها؛ ويضيق صدر المرء حيث يرى حقا وباطلا يمزج كل منهما بالآخر، ويتحدث أناس عن قضية لا يعرفونها. والقارئ للصحافة السعودية في الآونة الأخيرة يصاب بتخمة من المقالات المتحدة في المضمون؛ وإنما تختلف ألفاظها، بعضهم يكتب من أجل أن يبين ولاءه للدولة، وبعضهم يكتب موافقة للتيار العام. وكما هو معلوم فإن معرفة الحقيقة التي تخالف الواقع مرة، وندرة من يتسع صدره لقبول هذه الحقيقة، وقد أحجم كثيرون عن الحديث علانية عن بعض هذه الحقائق. وإذا طالعت الصحف السعودية رأيتها تدور في فلك واحد، ولم تطرح السؤال المفترض طرحه؛ وهو : ما المرض؟ وما علاجه؟ وإن رأيت بعض الحديث فهو حديث موجز، فانعكست القضية؛ لأن ترديد التنديد لا فائدة منه، فلو أصيب شخص بمرض فإن الطبيب يفحص المرض لعلاجه ولا يكثر الثرثرة في وصف الشخص بأنه مريض! ومن خلال مطالعتي للصحف استوقفني مقال د.عبد الله الفوزان حيث نحا منحى مغايرا للنهج العام؛ فقد مل كما مل غيره من هذا التكرار، وتساءل عن سبب المرض وكيفية العلاج. وبحكم أني عايشت بعض الحقائق، وكانت لي اتصالات ببعض المنتسبين إلى المناهج الفكرية في بلدنا فإني سأتجرأ اليوم لأقول ما كنت أحجم عن قوله، فقد كان تفكيري يرجح لي أن أعيش بسلام بعيدا عن المساءلات، وبعيدا عن الدخول في الصراعات، ولسان حالي يردد : لزمت بيتي وصنت وجها به عن الذلة امتناع ولا أزعم أني أعلم من الآخرين بهذه الأمور، فهناك أناس التصقوا بهذه الوقائع، وسبروا أغوارها. لكنني أعيش في هذا البلد، ولا بد من قول كلمة الحق التي أرى أنها حق – وقد تكون باطلا- لكنني أجتهد متحملا تبعات رأيي. السؤال المطروح : ما المرض؟ وما علاجه؟ والجواب المختصر : المرض هو الغلو في التكفير، وعلاجه معرفة سبب المرض والمكاشفة الحقيقية وعدم إخفاء الأمور. ولمعرفة المرض تتعين معرفة كيف نشأ: أولا : يكثر إطلاق مصطلح ( التكفير ) على أنه من باب الذم، ومعلوم من الدين بالضرورة أن التكفير من مبادئ الإسلام، فمن لم يعتنق الإسلام فهو كافر، ومن جحد شيئا من أصوله فهو كافر، وقضية التكفير معروفة في التأريخ الإسلامي كتكفير الشافعي لحفص الفرد، وليست مرضا أو خللا في فهم الإسلام، بل الخلل هو في ( الغلو في التكفير ). فهناك فرق بين ( التكفير ) وبين ( الغلو في التكفير ) كما أن هناك فرقا بين ( التدين )، و ( الغلو في التدين ). فعلينا تحرير العبارات؛ لكي لا نقع في الخلل الذي وقع فيه الآخرون بالرغم من أن الاختلاف وارد في تحديد مفهوم ( الغلو في التكفير ). ثانيا : تجريد الجهات الرسمية من تبعة هذا المرض غير صحيح، فالجهات الرسمية لها دور في نشوء ظاهرة ( الغلو في التكفير )، والدور الأكبر للمؤثرات الخارجية، فأنا أتذكر توجه الدولة السياسي والديني أيام الحرب الأفغانية-الروسية؛ حيث كان التيار الأوحد هو دعم هذا الجهاد سياسيا، ودينيا، واقتصاديا، وأتذكر حينما كنت طالبا المعلم الفلاني الذي كان يحث على جمع التبرعات. وكانت الجهات الرسمية تشجع الشباب ، وتسهل عملية انتقالهم إلى معسكرات التدريب في أفغانستان. ومن شدة الحماس قررت أن أذهب إلى الجهاد خاصة بعد استشهاد أحد الطلبة مما جعل المشاعر تلتهب في أفئدتنا، لكن والدتي –رحمها الله- رفضت أن أذهب فحاولت أن أسلي نفسي فذهبت إلى المكتب المخصص للاستقبال الشباب، ويقع في حي الملز أمام بوابة نادي الرياض الأدبي، ولما دخلت المكتب رأيت شخصا مرحبا حيث كانت الدولة تمنح خصما قدره 50% أو 75% (الشك مني) على التذكرة، وهذا الشخص الآن مسؤول كبير في هذه الدولة! لكنني لم أرغب في عصيان أمر والدتي فرجعت. فالمقصود أن الدولة لا تريد الاعتراف بالخطأ، وأنها أخطأت في فتح المجال قبل دراسة متأنية لوضع تلك المعسكرات. وكان الإجراء المفترض اتخاذه هو دراسة تلك المعسكرات، ومن يشرف عليها؟ وما هي توجهاتها؟ وكان المفترض من الجهات الدينية التعرف عن قرب على الوضع، وعدم الانسياق خلف العواطف. لكن شيئا من هذا لم يحدث، بل ذهب الشباب بدعم سياسي وديني من الدولة إلى تلك المعسكرات، وتلقفهم أناس رأوا فيهم شبابا غضا قابلا للمؤثرات ليست لديه مناعة. والعجيب أن من تفوه بكلمة ضد هذا الوضع كان يوصف بأنه متخاذل كما حصل من أحد المشايخ حينما خطب يوم الجمعة في جامعه في الرياض، حيث تحدث عن حادثة (كنر) فضج الناس وحاصوا حيصة قوم هرقل لما عرض عليهم الإسلام! ولك أن تتخيل الوضع الآن فمن يدافع عن الجهاد الأفغاني يوصف من الأكثرية بأنه عميل، ومن يقف ضده فهو مواطن صالح. هؤلاء الشباب الذين أرسلتهم الدولة ذهبوا وكثير منهم في المرحلة الثانوية أو الجامعية، وحينما عادوا لم يجدوا (التأهيل) اللازم، فلا المدارس والجامعات قبلتهم، ولا الدولة رعتهم، بل تركوا، وحينما يحصل أي خلل فإنهم يعتقلون وبعضهم سجن لمدة سنة أو سنتين دون اتهام. بالإضافة إلى الممارسات غير الأخلاقية التي تعومل بها معهم، كل هذا أدى إلى تنمية مشاعر الكره والبغض للدولة. وهذه المسألة لا تحتاج مني إلى تفصيل كثير؛ لأن د.محسن العواجي قد فصل فيها كثيرا. ثالثا : كثير ممن يكتبون في الصحف لا يفقهون المنطلقات الفكرية التي يعتمد عليها هؤلاء الشباب، وكثيرا ما أردد قول أبي طيب : ( ولكنه ضحك كالبكا ) فإحدى الكاتبات تحدثت عن الغلو بعد تفجير الحمراء، وذكرت أن أحد الشباب الذين ذهبوا إلى أفغانستان كفر والده؛ لأنه يشرب الدخان! هذا الأنموذج ليس فريدا بل هو منتشر، ولا تعلم هذه الكاتبة ولا هذا الأنموذج أن التيار الجهادي عموما والغالي في التكفير خصوصا لا ينظرون إلى مسألة الدخان أو الأغاني، بل هم يركزون على قضيتين : الحاكمية، والولاء والبراء. وهذا ما تتحدث عنه المؤسسات السياسية والدينية؛ لكن بشكل غير مفصل، ولا ينطبق على الواقع. ولو تصفحت المقالات في الصفحة السعودية لرأيت من هب ودب يكتب عن هذه القضية دون أن يكون له التصاق بها، بل يكتب على ما يسمع لا على ما عايشه. أنا لا أحجر على الكتابة؛ لكني أطالب الصحافة السعودية بمنح حرية أكبر لمن أراد الرد. فإن قلت : هذا موجود، فأقول لك : نشر الرد يكون على مزاج رئيس التحرير، فينشر ما يريد، ويدع ما لا يريد، وقد سئمت وسئم غيري من الردود التي لا تنشر. ومنع النشر أنها لا توافق هوى رئيس التحرير، ولهذا يلجأ كثير من الكتاب إلى المنتديات لنشر ما لديهم؛ لأن الصحافة السعودية عندنا صحافة صلات وعلاقات. رابعا إعفاء المؤسسات الدينية من التبعة غير صحيح؛ لأنها الرافد الروحي لزج الشباب في تلك المعسكرات. ومما أنتقده على المؤسسات الدينية لدينا : الانتقاد الأول :- أن مشايخنا الفضلاء –عفا الله عنا وعنهم- لم يكونوا سندا للشباب، فمثلا يردد مشايخنا –حفظهم الله- أن على الشباب الرجوع إلى أهل العلم، وأن عليهم الالتفات حول المشايخ، وهذا ما تردده وسائل الإعلام والمثقفون؛ لكن الواقع المر خلاف هذا، وأضرب للقراء ثلاثة أمثلة : أ ) أحد المشايخ الفضلاء نقل عنه في (الشبكة العنكبوتية) قول خطير في أحد الدعاة، وقال الناقل :« إني سمعت الشيخ الفلاني يقول كذا وكذا». فطبعت المقال، وذهبت إلى هذا الشيخ؛ لأتثبت من صحة هذا الخبر المنقول عنه، فدخلت عليه وسلمت ثم جلست، وقلت له : يا شيخ، نقل عنكم قول فأردت أن أتأكد من صحته. فنظر إلي نظرة غريبة، ثم قلت : أحد الأشخاص في الإنترنت يقول إنه سمعك تقول في فلان : أنه كذا وكذا فمتعر وجه الشيخ، وقال لي : اتركنا من خلق الله! قلت له : يا شيخ، أنا لم أقل هذا الكلام. قال : توكل على الله! قلت له : يا شيخ، أنا مجرد ناقل أريد التثبت قال : أقولك توكل على الله، ومع السلامة! خرجت من عنده وأمواج الغضب تتعالى في صدري، وقررت ألا آتي هذا الشيخ أبدا، فكرامتي أعز علي من مشيخته، فبالله الذي خلقكم ماذا سيكون رد الشيخ لو أني أتيته أستفسر عن تكفير، أو أمر يمس الدولة؟! ب) مما نقل إلي عن طريق كثير من الأصدقاء وهم ثقات -إن شاء الله والله أعلم بصحة الخبر- أن أحد الشباب لما رجع من أفغانستان انخرط في المجتمع ولما حصلت إحدى التفجيرات اعتقله رجال المباحث وساموه سوء العذاب؛ إلى درجة أن آثار التعذيب لم تمح من جسده، ولما خرج من السجن ذهب إلى أحد المشايخ الكبار الفضلاء، وذكر له ما فعله به رجال المباحث، وأراه ظهره الذي يبرهن قوله، ثم قال للشيخ : يا شيخ، لقد أجبروني على التوقيع على ألا أشتكي ولا أخبر أحدا! فكان رد الشيخ صاعقة قطعت الروابط جميعها حيث قال :قم، أوف بوعدك! ج) حينما قررت الدولة دمج تعليم البنات مع تعليم البنين، ذهب جمع من الشباب إلى دار الإفتاء لمقابلة المفتي، وقد أتوا بطرق سلمية غير حاملين للسلاح،وكان مجيئهم في نهاية الدوام، فواعدهم من غد، فلما كان الغد فإذا بقوات الطوارئ والأمن تنتظر الشباب! وكان رد سماحة المفتي –أعانه الله- ردا محبطا، ولم يقابلهم سوى دقيقتين، انتهت بتهديدهم باستدعاء رجال الأمن. هذه بعض الحوادث، وغيرها كثير، فإلى متى نخدع أنفسنا ونقول : الالتفات حول أهل العلم، على الشباب الرجوع إلى المشايخ! تخيلوا أن شابا لديه شبهة، فقصد أحد المشايخ، ثم قال له : يا شيخ، أن لدي مسألة أريد أن أستفسر عنها؛ وهي أن الدولة كافرة لأسباب التالية : كذا وكذا وكذا ... سيكون جواب الشيخ : أنت ضال! بقية الخوارج! يجب أن تؤدب! فيخرج من عند الشيخ وقد ضجر وضاقت عليه الدنيا، فتتلقفه جهة تقول له : يا أخي في الله، نحن غرباء، وكل غريب للغريب نسيب، فيجد عندهم المناقشة الهادئة لأنه إذا قال : الدولة ليست كافرة ، فلا يكون الرد : يا مداهن، يا خبيث!، يا عميل! بل سيكون الرد لطيفا على نمط : يا أخي، الدولة فيها كذا وكذا الانتقاد الثاني: أن المؤسسات الدينية وبعض المشايخ يقعون فيما ينهون عنه؛ ومن ذلك : أ) أن أحد المشايخ الكبار، وأحد المسؤولين الكبار وصف من فجر مجمع الحمراء بأنهم قد تبوؤا مقعدهم من النار. هذه الجملة خطيرة جدا، وتصادم أصلا من أصول أهل السنة والجماعة، وكونها تصدر من مسؤول سياسي أمر مستساغ؛ لكن أن تصدر من شيخ يتقلد منصبا عاليا فهذا أمر مرفوض؛ لأن من أصول أهل السنة والجماعة ألا نشهد لأحد بجنة ولا نار إلا من شهد له الله ورسوله. وضبط النفس يكون في الشدة لا في الرخاء، وما الفائدة من تدريس منهج أهل السنة والجماعة إن كان رؤوس المذهب لا يطبقونه؟ ثم إن مثل هذه الألفاظ تكون وقودا للتيار الغالي في التكفير؛ لأنها تقوي الشبهة لديهم؛ فهم يقولون : هؤلاء مشايخ الدولة يخالفون منهج أهل السنة. ب) ومن ذلك أن بعض المشايخ لا يتحرون دقة الألفاظ في إطلاق بعض المصطلحات على الغالين في التكفير، وهذا –أيضا- يقوي حجج الغالين في التكفير، فمثلا كثيرا ما يردد بعض المشايخ أن هؤلاء خوارج، وتبعهم ما يسمى بالمثقفين. وكما مر فإن صدور هذه الألفاظ ممن يسمى بالمثقف وهو لا يفرق بين الاعتزال والعزل، وبين الأشعري نسبا والأشعري مذهبا أمر مستساغ؛ لكن أن تصدر من مشايخ يتلقى عنهم العلم الشرعي فهذا أمر مرفوض. وإليك بيان الخلل : الرسول صلى الله عليه وسلم حدد لنا أوصاف الخوارج، وفي الحديث الذي أخرجه البخاري (3166)، ومسلم (1064) من حديث أبي سعيد الخدري : « إن من ضئضئ هذا قوما يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد ». وهذا الحديث مشهور في بعض السنن، ومسند الإمام أحمد. فحينما يطلق بعض المشايخ هذه المصطلح على الغالين في التكفير فإنهم يدعمون حجج هؤلاء؛ لأن الوصف باختصار لا ينطبق عليهم، فيقول بعضهم لبعض : انظروا إلى مشايخ السلطان! يتهموننا بما ليس فينا. وإليك بينا الفرق بين الخوارج وبين الغالين في التكفير : 1- الخوارج وصفهم الرسول صلى الله عليه وسلم بأنهم يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان. وأما الغالون في التكفير فإنهم يقصدون أهل الأوثان ويدعون أهل الإسلام، وقتلهم لبعض المسلمين ناشئ عن شبهة خطيرة عندهم كالتترس، و «يبعثون على نياتهم». 2 - الخوارج يكفرون مرتكب الكبيرة، وهؤلاء الغالون لا يكفرون شارب الخمر، ولا الزاني، بل تنحصر مسألة التكفير عندهم في مسألتين هما : الحاكمية والولاء والبراء. ولهذا كان وصف الخضير دقيقا لهم حينما سأله القرني : هل هم خوارج؟ فقال : «وافقوا الخوارج». وسماهم «بغاة». وهذا وصف دقيق يغلق المسلك أمام هؤلاء. ولكي تفهم عقلية خصمك طبق ما سبق على نفسك، فلو كنت شخصا لك آراء لا توافق التوجهات الدينية في المجتمع؛ لكنك لا ترى فصل الدين عن الدولة فإن كثيرا من أفراد المجتمع سيطلقون عليك «علماني» وهذه لفظة خطيرة تصل إلى الكفر. ولأنك تعلم في قرارة نفسك أنك لست «علمانيا» بالمفهوم العلمي لها فإنك لا تلقي بالا لمثل هذه الاتهامات؛ لأنها لا تنطبق عليك. فحالك هذه كحالة الغالين في التكفير حين تطلق عليه لفظة «خوارج» فلا يأبه بها. ولا يعني هذا أن الخوارج معدومون، أو أنهم لا يعيشون بيننا، بل هناك من يكفر المجتمعات الإسلامية كلها لا يفرق بين الحكومة و الشعب، ومنطقه : كل من عاش في ظل حكومة كافرة فهو كافر وإن لم يوافقها! الانتقاد الثالث : أن المشايخ الفضلاء وضحوا أمورا كثيرة، وتركوا الأمور التي تؤرق الشباب دون توضيح، بل يعتمدون فيها على العموميات، ومن ذلك: أ) مسألة الحاكمية؛ وهي المحك الحقيقي للخلاف لا كما تعرضه الصحافة السعودية من (التفكك الأسري، والخلل التعليمي، ) وغير ذلك؛ فهذه المسألة دقيقة جدا، وكلام مشايخنا الفضلاء ليس مفصلا للواقع، فكما هو معلوم أن الحكم بغير ما أنزل الله له سبع حالات: الحالة الأولى : أن يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله أحقية حكم الله ورسوله. الحالة الثانية : ألا يجحد الحاكم بغير ما أنزل الله كون حكم الله ورسوله حقا؛ لكن اعتقد أن حكم غير الرسول صلى الله عليه وسلم أحسن من حكمه. الحالة الثالثة : ألا يعتقد كونه أحسن من حكم الله ورسوله؛ لكن اعتقد أنه مثله. الحالة الرابعة : ألا يعتقد كون حكم الحاكم بغير ما أنزل الله مماثلا لحكم الله ورسوله ، فضلا عن أن يعتقد كونه أحسن منه. الحالة الخامسة : المحاكم المدنية التي تحكم بغير شرع الله. الحالة السادسة : ما يحكم به كثير من رؤساء العشائر ، والقبائل من البوادي ونحوهم ، من حكايات آبائهم وأجدادهم ، وعاداتهم التي يسمونها (سلومهم). الحالة السابعة : أن تحمله شهوته وهواه على الحكم في القضية بغير ما أنزل الله، مع اعتقاده أن حكم الله ورسوله هو الحق، واعترافه على نفسه بالخطأ، ومجانبة الهدى. وهذه كما يقول الشيخ محمد بن إبراهيم : « فإنه معصية عظمى أكبر من الكبائر، كالزنا وشرب الخمر ، والسرقة واليمين الغموس ، وغيرها فإن معصية سماها الله في كتابه : كفرا ، أعظم من معصية لم يسمها كفرا». هكذا تلقيت وتلقيت غيري هذه المسألة من أهل العلم، وهذه المسائل يمكن تطبيقها على الواقع؛ لكن بقيت مسألة قد تدخل ضمن الحالات السابقة وتحتاج إلى تفصيل؛ لكن أهل العلم لم يفصلوها، وهي : إذا اعتقد الحاكم أن حكم الله هو الحق، واعترف على نفسه بالخطأ ومجانبة الهدى؛ لكنه وضع قانونا دائما يخالف حكم الله، وهذا القانون يحميه الحاكم ويعاقب عليه كمن سن قانونا للسماح بالحوانيت (بأماكن بيع الخمر)، وأصدر لها لائحة تنظمها، ويعاقب من يخالف هذه اللائحة، ويحمي هذه التصاريح من أن يتعرض لها. ومثلها تماما القضية التي يعتمد عليها الغالون في التكفير، وهذه القضية لا يتعرض لها الإعلام السعودي إما خوفا من الحكومة أو تجاهلا أو تغافلا؛ وهي قضية الربا. فالربا معصية كبيرة، وليست كفرا أكبر مخرجا من الملة. وحكام هذا البلد يقرون أن حكم الله هو الحق، ويفتخرون بتطبيق الشريعة الإسلامية، ويعلنون ذلك؛ لكن الربا عندنا مقنن، والمصارف الربوية تعلن الربا، والأنظمة تحمي هذه المصارف، وهناك لوائح لتنظيم هذا الربا. فما الحكم في مثل هذه القضية، ومثل قضية حوانيت الخمر؟ هناك أمور لا تحتاج إلى تفصيل كبير مع هؤلاء؛ لأنها محل اتفاق بين أهل العلم، وهؤلاء الغالين؛ لكن مسألة الخلاف الحقيقي لا ترى فيها تفصيلا. ولهذا يبقى الشباب في دوامة التعميم، وتبقى الشبهة قائمة؛ وهذه بعض الشبهات وليست كلها. ولم أجد مكاشفة حقيقة لفكر هؤلاء إلا في الملف الذي أعده موقع ( الإسلام اليوم ) حول تفجير الحمراء، وقد كان ملفا واقعيا يتغلغل في أعماق فكر المفجرين؛ وقد ذكر المشرف على الموقع أن وزارة الإعلام رفضت فسحه! خامسا: كيف يفكر الخصم؟ من الأمور المساندة لثبات هذا التيار على منهجه هي وسائل الإعلام، وأهل العلم، والمثقفون؛ لأن كثيرا منهم لا يصور الحقيقة التي ينطلق منها هؤلاء الغالون، ولهذا يبقى هؤلاء على معتقدهم، ولم أجد من لامس بعض القضايا سوى القرني حين سأل الخضير عن هذه المسائل. إن معرفة تفكير الخصم توصلك إلى تشخيص المرض، ثم علاجه، ويمكنك المكابرة في هذا؛ لكنك لن تصل إلى الحقيقة. فمثلا : أ ) كثيرا ما يوصف هؤلاء بأنهم يستحلون دماء المسلمين. وهذه العبارة قد تنطبق على جزء منهم، وجزء لا تنطبق عليه. ولو دقق الباحث في تفكير بعض هؤلاء –وليس كلهم- لتيقن أنهم يعلمون بالأحاديث الصحيحة في حرمة دم المسلم؛ لكن لديهم شبهة وهي ( التترس ). هذه الشبهة لم تجد بحثا أو تحليلا من وسائل الإعلام وأهل العلم، وبالمقابل فإنها مدعمة بالأدلة والنصوص عند هؤلاء الغالين، وقد وضح الخضير المسألة باختصار وهي أن التترس يكون في أرض المعركة، وفي بلاد الكفر. ولا ينطبق على ما يدعيه هؤلاء، لأن أرضنا ليست أرض معركة، وبلادنا ليست بلاد كفر. فكان على أهل العلم أن يناقشوا هذه القضية بدلا من سرد النصوص في بيان حرمة دم المسلم؛ لأن هذه النصوص ليست محل خلاف، بل لها تأويل عند هؤلاء. ب) يوصف هؤلاء بأنهم أغرار، ومرضى نفسيين. لكن الحقيقة خلاف هذا، فهؤلاء ليسوا أغرارا ولا مرضى نفسيين، بل أعاملهم معاملة الخصم العاقل. لسان حال هؤلاء يقول : إذا كنا أغرارا ومرضى نفسيين فما حال أولئك الشباب الذين انغمسوا في اللذات. ج) كثير من أفراد هذا التيار لا يفرق بين دار الإسلام ودار الكفر؛ ولهذا يجعل مناط الحكم على السلطة لا على الشعب. فإذا كانت الدولة عنده كافرة فالدار دار كفر، وإن كانت عنده مسلمة فالدار دار إسلام. ولا تجد بحوثا تناقش هذه القضية بالتفصيل، والمسألة باختصار أن البلد الذي تكون الغلبة فيه للمسلمين هي دار إسلام بغض النظر عن الحكومة، ففي بلدنا : تقام الصلاة ولا يتعرض لأحد، ويسمع الآذان ولا يمنعه أحد، وتلبس المرأة الحجاب ولا تمنع من ذلك، فمظاهر الإسلام بادية بغض النظر عن كفر الحكومة أو إسلامها. د) كثير من أفراد هذا التيار يتلقى المعلومة جاهزة، ويبني عليها الحكم، ومن ذلك قضية ( التحاكم إلى الأمم المتحدة )، و ( المعاهدات الدولية ) وغيرها. فمثلا جملة : ( التوقيع على المعاهدات الدولية ) مما يتمسك به هذا التيار، ولم تكشف وزارة الخارجية أو الجهات المسؤولة في الدولة طبيعية هذه المعاهدات، وتركت القضية تنمو في عقول هؤلاء. وكما هو معلوم أن هذه المعاهدات ليست حقا محضا، ولا باطلا محضا، ففيها معاهدت باطلة كالمعاهدات التي تنص على السماح بـ ( الشذوذ )، و ( الزنا ). وهذه على حد علمي لم توقع عليها المملكة، فهذه لا يشك مسلم في بطلانها. وهناك معاهدات أخرى مثل : ( منع الجريمة المنظمة )، و ( استغلال الطفل )، ( الحد من استخدام الأسلحة النووية )، وغيرها، وبعض هذه المعاهدات وقعت عليها الدولة –حسب علمي-. وهناك معاهدات توقع عليها الدولة؛ لكن تتحفظ على بند أو أكثر. فهل حصل توضيح لهذه المعاهدات، وسد أبواب الظن؟ هذه لمحة عن المرض وأسبابه، وأما معالجته فتحتاج إلى مكاشفة صريحة جدا، ومن أسباب العلاج : فيما يتعلق بالحكومة: 1) تمكين هيئة مستقلة، أو هيئة التحقيق والادعاء العام من مراقبة تحقيقات ضباط المباحث، ومن الزيارات المفاجئة للسجون. 2) تمكين المسجونين من توكيل محامين، وللمحامين الحق في حضور التحقيقات. 3) إصلاح النظام القضائي بدءا من القضاة وانتهاء بحل مشكلة بطء المعاملات. 4) إعادة تأهيل هؤلاء الشباب والسماح لهم بمواصلة الدراسة، وفتح مجالات العمل لهم. 5) إعادة النظر فيمن له الحق في إعطاء تصاريح النشر للمنشورات والكتيبات، فمثل ملف موقع الإسلام اليوم عن تفجير الحمراء جدير بأن ينشر لا أن يتحكم شخص في منعه؛ لأن فيه مكاشفة صريحة. 6) النظر في قضايا الصحافة؛ وهل تحق محاسبة الكتاب على ما يكتبون؟ وهل يحق للصحيفة أن ترفض نشرد الردود؟ 7) نشر المعاهدات والوثائق الدولية في الصحف المحلية؛ لأنها أصلا ليست سرية، بل هي مودعة في تلك المنظمات. فيما يتعلق بالمؤسسات الدينية: 1) الدقة في التعبير عن المصطلحات وإطلاقها. 2) على أهل العلم أن يتسع صدرهم للشباب حقيقة لا كلاما في الجرائد والمجالس، والأصل أن الشيخ يتحمل حماس الشباب وشدتهم لا أن يتحمل الشباب شدة الشيخ وحماسه. 3) البت فورا بالتفصيل المبسوط في القضايا الناشئة بين الشباب كقضية الحاكمية والولاء والبراء وأحكام المعاهدين وأهل الذمة، وعدم الانتظار إلى أن تختمر القضية في عقولهم. وفيما يتعلق بالمثقفين : 1) ألا يكونوا تبعا للسلطة إن رغبت في الحوار رغبوا، وإن لم ترغب لم يرغبوا. ولا يعني عدم موافقتك للسلطة أنك ضدها، فالسلطة لها رأي في المسألة وبعض المثقفين لهم رأي آخر. 2) أن يفهموا القضية التي يريدون طرحها، وأن يعتمدوا على مصادرها الأصلية دون الاعتماد على المصادر المحلية فقط. ختاما: ما يحصل للبلد من قتل واختلال أمن لا يرضي العقلاء، وما هذه طريقة الإصلاح، وإصلاح يسفك فيه دم معصوم ليس من هدي الإسلام!
(1) - عنوان التعليق : شكر

تأريخ النشر: السبت 18 ذو القعدة 1424هـ الموافق 10 يناير 2004مسيحية

نص التعليق
اشكرك على هذا البيان لكن لم تذكر مسألة مظاهرة الكفار على المسلمين و تفصيل اهل العلم في المسألة

طباعة التعليق

إرسال التعليق
(2) - عنوان التعليق : حاجات فطرية

تأريخ النشر: السبت 2 شوال 1425هـ الموافق 13 نوفمبر 2004مسيحية

نص التعليق
كل الشعوب في العالم لها حاجات فطريه سوآ كانت هذه الشعوب كافرة او مسلمة ومن اهم هذه الحاجات أن تعبر الشعوب عن ارئها بدون قمع فأذا قمعت استخدمت وسائل أخرى لتعبير مثل التفحيط أو حتى الكتابة على الحيطان في الشوارع وأنتهينا بتفجير والتكفير وهذا ماحصدته الدولة وهيئة كبار العلماء وما زالت الغطرسة مستمرة

طباعة التعليق

إرسال التعليق
إرسال المقالة والتعليقات إلى صديق

التعليقات تعبر عن رأي كتابها ولا تعبر عن رأي صاحب الموقع